900 عام على ميلاده: ابن رشد متنازع عليه
أعاد ابن رشد ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة، مبيّناً أن النظر العقلي ليس نقيضاً للدين، بل طريقاً لفهمه على نحو أعمق وأدق.
أعاد ابن رشد ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة، مبيّناً أن النظر العقلي ليس نقيضاً للدين، بل طريقاً لفهمه على نحو أعمق وأدق.
أعاد ابن رشد ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة، مبيّناً أن النظر العقلي ليس نقيضاً للدين، بل طريقاً لفهمه على نحو أعمق وأدق.
كيف يمكن استعادة ابن رشد من التوظيف الأيديولوجي المتناقض، وإعادته إلى موقعه الحقيقي كمفكر عقلاني لا كأداة للصراع الفكري؟
أشار المفكر المصري الراحل، حسن حنفي (1935- 2021) إلى التعدّد في صور ابن رشد، والتناقض في النظر إليه بين الثقافتين العربية والغربية. فهو الشارح الأكبر لأرسطو، والمتكلم، والفيلسوف، والقاضي، والأصولي، والفقيه، والطبيب، واللغوي.
وقد تم توظيف قراءته وفاقاً للنزعات الفكرية والمذهبية، حتى "ضاع ابن رشد على ما هو عليه". وتساءل: كيف يمكن رد الاعتبار إليه، وإنقاذه من أيدي المتكسّبين به، المدّعين عليه، الطالبين الشهرة والمنصب، والصدارة والوجاهة، والمتاجرين به في الأسواق؟ وعنده أن الرشديين لا يتكسّبون به، "بل الذين يستأنفون الرشدية حركة في التاريخ" (1).
ابن رشد: رائد التنوير الإسلامي
قد يكون المفكر اللبناني، فرح أنطون (1874- 1922)، ابن طرابلس، المهاجر إلى مصر المحروسة، أول من استحضر الفقيه والفيلسوف الأندلسي، الوليد ابن رشد (1126- 1198) (2)، في العصر الحديث، في مجلته "الجامعة" (1891- 1910)، لإسناد دعواه الفكرية في أولية العقل، والموقف من الدين وقيمه، وضرورة الإصلاح والتقدم (3).
الأمر الذي أثار حفيظة الإمام محمد عبده (1849- 1905)، صاحب "الإسلام، بين العلم والمدنيّة" (1923)، فردّ عليه في مجلة "المنار" (4). ولا سيّما أن الأمر يستدعي إلى الذاكرة صور "النكبة" التي تعرّض لها فيلسوف قرطبة على يد الفقهاء، فأُحرقت كتبه، ويقال إنه مات محبوساً في داره في مراكش (5).
وكان فرح، في تقديمه لنصوص المناظرة التي جمعها لاحقاً في كتاب حمل عنوان "فلسفة ابن رشد" (1903)، قد أهداها إلى "النبت الجديد في الشرق، وأولئك العقلاء في كل ملّة وكل دين في الشرق الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين" (6)، مروّجاً لموقف ابن رشد في "فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال" (1198)، القائل بالتوفيق بين الفلسفة والدين، إذ: "الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالأذى ممن ينسب إليها أشد الأذى، مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابان بالجوهر والغريزة" (7).
وأُعيد ابن رشد إلى صدارة المشهد الثقافي العربي في مواجهة ظاهرة الأصولية الدينية والإرهاب، وفي مواجهة الرؤية الضيقة للإسلام (8). ووجد من أراد تنويراً عربياً ضالته فيه، فانعقد، في العام 1978، في الجزائر، "مهرجان ابن رشد"، بتنظيم من "المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" (الألكسو) التابعة للجامعة العربية والحكومة الجزائرية. فإذا كانت الأصولية تمنع الاعتماد على العقل، كان واجباً الحضّ على العقلانية، وعلى تشجيع القراءة المفتوحة والمتعددة للنص الديني (9).
رأى المفكر المصري الراحل، مراد وهبة (1926 -2026)، (مؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير)، واجب تأسيس تيار تنويري يستند إلى رشدية عربية، تنهض على: إن للنص الديني معنيين، أحدهما ظاهر والآخر باطن، ومشروعية إعمال العقل في النص الديني للكشف عن المعنى الباطن، وهو ما يسمى بالتأويل.
وتعريفه عند ابن رشد أنه: "إخراج اللفظ من دلالته الحقيقية إلى حقيقته المجازية" (10)، ومن ثم عدم تكفير المؤوّل بدعوى خروجه عن الإجماع. وفي هذا المعنى قال ابن رشد: "لا يقطع بكفر من خرج على الإجماع" في "فصل المقال". والدخول في علاقة عضوية بين الرشدية العربية والرشدية اللاتينية (11)، حتى يزول التوتر الحاد بين العالم الإسلامي والعالم الغربي بالالتزام بقيم التنوير.
وهذا الالتزام، في زعمه، لن يكون ممكناً إلا بإحياء فكر ابن رشد بديلاً من فكر ابن تيمية (1263 - 1328)، وهذه هي مفارقة العالم العربي (12).
قراءات أيديولوجية متضاربة
يطلعنا الباحث المغربي، عبد النبي الحري، على تضارب قراءات الباحثين ونزعاتهم في تراث ابن رشد، ولا سيّما من أبناء بلده. وأولها نزعة التمجيد، التي يمثلها الراحل محمد عابد الجابري (1935 - 2010)، الذي وجد أن الرشدية شكّلت قطيعة معرفية مع الفلسفة المشرقية، السينوية (نسبة إلى ابن سينا) والفارابية (نسبة إلى الفارابي)، على المستويات كافة: المنهجية، والمفاهيمية، والإشكالية.
ويعدّ الرشدية مفتاحاً لتحررنا وتقدمنا الفكري والعلمي والسياسي. والسبب في ذلك يعود إلى أن ابن رشد أعاد ترتيب علاقة الحكمة بالشريعة، تبعاً لكتاب "مناهج الأدلة في عقائد الملة"، ووضع قواعد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، وبيّن تهافت الخطاب المناوئ للفلسفة، مؤكداً على ما هو ضروري في العلم المدني.
ويمثل الثانية طه عبد الرحمن وعبد المجيد الصغير. وبلغ الأمر بعبد الرحمن أن هاجم ابن رشد والجابري معاً، وحاول أن ينوب عن الغزالي في بيان "تهافت التهافت"، مستلهماً انتقادات تقي الدين ابن تيمية (1263 - 1328) من دون الإعلان عن ذلك صراحة. حيث أشار إلى التناقض بين ظاهر النص الرشدي، القائل بالفصل والتجزئة بين البيان والجدل والبرهان، وبين حقيقة هذا المتن، المتمثلة بتداخل بين الحقول المعرفية. وهذا ما سماه الرحمن بالرؤية التجزيئية - التفاضلية عند ابن رشد، ودعا إلى هدم صورة الرشدية وتقويض أركانها.
أما عبد المجيد الصغير، فقد ميّز بين صورتين لابن رشد: صورة أرسطية دُفنت مع جثته ورحلت عن العالم الإسلامي، والثانية صورة سلفية استمر حضورها في العالم الإسلامي، من خلال كتابيه: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و"مناهج الأدلة في عقائد الملة".
في حين تتمثل وجهة النظر الثالثة في تجاوز هذه المقاربات الأيديولوجية، والبحث حصراً في المتن الرشدي، اعتقاداً بأن بيان حقيقة فلسفته تكمن في البدء بإنجاز ثبت لكل مؤلفاته، الموجودة والمفقودة، ورسم صورة تقريبية لما تبقى منه في أصلها العربي، لغرض التحقق من النصوص الرشدية. وهو ما فعله جمال الدين العلوي.
وشاركه محمد المصباحي في هذا التوجه، فسلك منهجاً علمياً يعتمد على الاستنطاق الفلسفي للنصوص الرشدية، من أجل قراءة ابن رشد بابن رشد، ومن أجل ابن رشد. ولقد سمي هذا المنهج بالمنهج الدلالي الإشكالي، لتقريب الفلسفة الرشدية، خاصة في جانبها المتعلق بشروحاته لأرسطو، التي لم تتطرق الدراسات المغربية لها. فالفكر الرشدي، وفاقاً للمصباحي، عبارة عن جسر للتلاقي والحوار بين مختلف الحضارات، الأمر الذي يساعد راهناً في مواجهة مقولات الصراع الحضاري (13).
الفلسفة المحاصرة
المفكر المغربي، علي أومليل، وبعد أن أثنى على موقف ابن رشد العقلاني من النص الديني، رأى إلى اختزاله في كونه مجرد فقيه أو قاضٍ، وتجاهل بعده الفلسفي والسياسي. وانتقد الاستعادة الأيديولوجية له من خارج السياق التاريخي، في سبيل خدمة قضايا معاصرة.
وقدّر أن استعادة ابن رشد يجب أن تكون في إطار مشروع فكري معاصر، لا تمجيداً تراثياً فحسب. وعنده أن ابن رشد نموذج للمفكر العقلاني، المدافع عن استقلالية الفلسفة، ولإمكان التوفيق بين الدين والعقل، وهو رمز لمسار حداثي لم يكتمل (14).
من جهته، يميل الفيلسوف اللبناني، ناصيف نصّار، في "ابن رشد أو الفلسفة المحاصرة" (15)، إلى المقاربة النقدية، في سعي لنزع الأسطرة عن فيلسوف قرطبة، خدمة لعقلنا وذاكرتنا، من باب كيفية تعاطيه مع الفلسفة، وهو المتعدد في أنشطته المعرفية. وما يريده تحديداً تبديد الالتباس الذي يحوط تفكير ابن رشد.
والبداية مع مفهوم أبي الوليد للفلسفة إبان المرحلة الوسطى من إبداعه، وتحديداً كتاب "فصل المقال"، حيث الانهمام ببيان مشروعية الفلسفة في مقابل الشريعة ورسم مهامها. وإذ يستنطق نصّار النص، يدرك أن ما يبطنه هذا الأخير "مفهوم خاص للفلسفة، أو مفهوم لفلسفة خاصة في فلسفة الصانع الميتافيزيقية؟" (16)، أي، بعبارات أخرى، قدرة الفلسفة، من خلال النظر في الموجودات، على الوصول إلى الصانع. وهذا الأمر يضفي عليها الغطاء الشرعي المطلوب.
وفي الآن نفسه، ثمة تساؤل عند نصّار حول إغفال ابن رشد للفلسفة العملية، ووقوفه عند "المبادئ الميتافيزيقية للشرع" (17)، بمعنى: وجود الله، ووجود السعادة والشقاء في الآخرة، والمعجزات. إذن، بحسب هذه القراءة، تتلاشى الحرية عند أسوار الشرع، ويعجز العقل عن "العمل الحق" (18). وثبت ذلك أيضاً في كتاب "تهافت التهافت"، وفي كتاب الكشف عن "مناهج الأدلة في عقائد الملة".
لكن نصّار يطرح سؤالاً حول موقعية الفلسفة قياساً إلى الشرع عند أبي الوليد، والتي يؤكد التزامها الفهم العقلي لمضامين الشرع، وكيفية هذا الشرع كي "لا يقع التناقض بين الفلسفة والشرع؟" (19). والتأويل المقترح والممارس عند المسلمين يضبطه ابن رشد ويقننه، ويحصره في "أهل البرهان"، وهم الفلاسفة (20). لكن ما يستخلصه صاحب "النور والمعنى" أن في الأمر تضييقاً على الفلسفة، ما يقوده إلى القول: "إن ابن رشد ليس فيلسوف حرية الفلسفة" (21)، وهو لا يتجاوز الفضاء النظري لفلسفة أرسطو.
يحاول نصّار تلمّس الناظم في وظيفة الفلسفة، كتأويل للشرع في طور أول، وتفسير لفلسفة أرسطو في طور ثان. ويجد فيه حقلاً تطبيقياً لانشغالات المرحلة الأولى من الحياة الفكرية لأبي الوليد. وما يكرّس هذا الاستنتاج انتقاؤه لما قام به من تلخيصات لأعمال أرسطو، وفي فهمه لنظرية "الاكتمال" في الفلسفة ونسبها للمعلم الأول. فما فعله ابن رشد، في عرف فيلسوفنا، أنه زاول "المعرفة الفلسفية... من زاوية العبادة" (22).
ويبقى السؤال الشائك حول راهنية ابن رشد أو عصريته (وهو من حصر الفلسفة)، أو الدرس الفلسفي الذي يخاطبنا به. وتلك مسألة خلافية تحتمل وجهات نظر عدة، إذ إن نصّار متحفظ عن موقف الجابري الذي ذهب إلى القول بالفصل بين الدين والفلسفة عند ابن رشد. وفي رأيه، إن كتابه واضح، ويبغي فيه "تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال". وما يجب التمسك به، في نظره، وإعلاء شأنه، "مبدأ كونية الفلسفة"، وهو، من هذا المنظار، "راهن بل راهن جداً". لكن على مسارنا الفكري أن يذهب في اتجاه الانتقال "من الفلسفة المحاصرة إلى الفلسفة المتحررة" (23).
عفيف عثمان
الدكتور عفيف عثمان، باحث لبناني يدرّس في قسم الفلسفة والحضارة في الجامعة اليسوعية في بيروت
المصادر والمراجع
[1] د. حسن حنفي، حصّار الزمن: الماضي والمستقبل (علوم)، الجزء الثالث. (2006). (القاهرة، مؤسسة هنداوي، طبعة جديدة، 2023). الصفحات: 605 و614 و619.
[2] وُلد محمد بن أحمد بن رشد في بيئة فقهية بقُرْطُبَة، فجمع بين الطب والقضاء والفلسفة حتى لُقب بالحفيد تمييزاً عن جده، وقد تنقل في مناصب الدولة الموحدية بين إشبيلية ومراكش، مكرساً حياته، لشرح تراث أرسطو، والربط بين الحكمة والشريعة.
[3] انظر، د. علي حمية، "الإصلاح والتقدم: قراءة في أطروحة فرح أنطون"، فصليّة اتجاه (لبنان) العدد 58، ربيع 2023. ص 71. (عدد خاص عن فرح أنطون).
[4] أصدر الشيخ رشيد رضا العدد الأول منها في العام 1898.
[5] للتوسع يمكن الإستئناس بكتاب د. محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995). ص 119 وما يلي.
[6] فرح أنطون، فلسفة ابن رشد، (الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1903). من الإهداء.
[7] فصل المقال، النسخة التي نشرها محققة مع دراسة: د. محمد عابد الجابري (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997) ص 125. ضمن سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد (1).
[8] يقول د. محمد عابد الجابري إن: "التخفيف من التطرف الديني الى الحد الأقصى لا يمكن أن يتم بدون تعميم الروح الرشدية في جميع أوساطنا الثقافية ومؤسساتنا التعليمية"، وذلك في تقديمه لكتاب: ابن رشد، سيرة وفكر: دراسة ونصوص (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص 11.
[9] وتواصل الإهتمام بإبن رشد، فانعقدت ندوة في العام 1994، بدعوة من معهد غوته في بيروت والحركة الثقافية في انطلياس (لبنان)، بجهود د. أنطون سيف وغرضه، كما يقول، احياء العقلانية العربية، التي كان "ابن رشد ممثلها الأبرز". ونشرت الأوراق في مجلة الفكر العربي، العدد 31، صيف العام 1995. وخصت جامعة المقاصد (كلية الدراسات الإسلامية)، ابن رشد بكتاب لمجموعة من الباحثين حمل عنوان: أبو الوليد ابن رشد، قراءات في فلسفته وفكره (بيروت، دار المقاصد، 2009). حتى أن المخرج المصري الراحل يوسف شاهين استعاده في فيلم "المصير" (1997) وركز فيه على مواجهة ابن رشد للمتشدّدين دينياً.
[10] فصل المقال. مصدر مذكور، ص 97.
[11] الرشدية اللاتينية، مدرسة فلسفية غربية مبنية على تفسيرات الفيلسوف ابن رشد لأرسطو. الأفكار الأساسية في فلسفة هذه المدرسة بناء على ملاحظات ابن رشد على كتابات أرسطو: العالم أبدي أو خالد، والروح مقسومة إلى قسمين، جزء فردي أو جزئي، وجزء إلهي أو كلي. الروح الفردية ليست خالدة. يشاطر كل البشر في المستوى الأساسي الروح الإلهية والكلية ذاتها.
[12] من مقابلة مع مجلة الفيصل (السعودية)، 6 تشرين الثاني/نوفمبر، 2016.
[13] د .عبد النبي الحري، صورة ابن رشد في الفكر المغربي المعاصر (بيروت – المغرب، المركز الثقافي العربي، 2015). (في الأصل أطروحة لنيل الدكتوراه في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط) وقد استفدنا من مراجعة الباحث أ.د عبد الجليل كاظم الوالي للكتاب (Philarchive, 2016. 13 P).
[14] علي أومليل، في التراث والتجاور (بيروت – المغرب، المركز الثقافي العربي، 1990).
[15] ناصيف نصار، الإشارات والمسالك: من إيوان ابن رشد الى رحاب العلمانية، (بيروت، دار الطليعة،2011). القسم الأول، ص 13.
[16] المصدر نفسه ، ص 17.
[17] المصدر نفسه، ص 20.
[18] المصدر نفسه، ص 21.
[19] المصدر نفسه، ص 23.
[20] المصدر نفسه، ص 24.
[21] المصدر نفسه، ص 27.
[22] المصدر نفسه، ص 34.
[23] المصدر نفسه، ص 39






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً