نهاية الحروب الحاسمة : إدارة ترامب "تعود" إلى الحصار والعقوبات على إيران
تشكل إسرائيل حالة نموذجية لقراءة هذا التقهقهر الأميركي على المستوى الإقليمي ـ الدولي
تشكل إسرائيل حالة نموذجية لقراءة هذا التقهقهر الأميركي على المستوى الإقليمي ـ الدولي
كتب محرر الحقول / خاص ـ الوطن العربي : شنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حربين ضاريتين على إيران في غضون 9 أشهر، استمرتا أكثر من 50 يوماً. و ما بين تينك الحربين، موّل المعتدون "ثورة ملونة" إيرانية، بدأت في نهاية كانون الأول 2025، وانتهت بعد أقل من أسبوعين، بسيطرة الحكومة والمجتمع السياسي على مقدرات الأمن في البلاد، رغم العنف الإجرامي الذي ميّز تحركات "الثوار".
أجبر الفشل العسكري و"المدني" الأميركيين، على توقيع مذكرة إسلام آباد لوقف الأعمال الحربية يوم 8 نيسان 2026. ولم يمض أسبوع، حتى انتقلت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى حرب الحصار البحري وحرب العقوبات الإقتصادية. فهل تحرر الأميركيون، أخيراً، من "عتمة الطريق" تحت أسوار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان انكشاف الأمن الإستراتيجي لدول الخليج العربي هو من أبرز النتائج (غير) العرضية التي كشفتها الحرب. فالجيش الأميركي الذي تمركز في اراضي هذه الدول، وشيّد قواعد ومنصات ومنشآت ومخازن وموانئ، بذريعة توفير السيادة والأمن لها، تملص من التزاماته الدفاعية معها، خلال العمليات الحربية ضد إيران، التي نقلت مسرح القتال إلى هذه الأراضي.
ويبرهن لجوء المملكة العربية السعودية إلى "اتفاقية مكة"، لتفعيل ما يسمى "التضامن الإسلامي"، طلباً للحماية الخارجية من باكستان وتركيا، على سقوط هيكل الأمن الإقليمي ـ الدولي الذي تسلط عليه الأميركيون والتحالف الأوروـ أطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وهذا الوضع التاريخي الناشئ، جلب سخرية العدو. فـ"السعودية خسرت لعبة البوكر الإقليمية أمام إيران"، حسبما قال روعي كايس، الصحفي في هيئة البث الإسرائيلية (كان). لأن الحرب "حولت السعودية إلى كيس ملاكمة أظهر مدى هشاشة واضطراب قدرة المملكة على الردع".
فالأسطول الخامس الأميركي اضطر إلى الهرب جنوباً في المحيط الهندي، نحو قاعدة دييغوغارسيا البريطانية، بعدما دمرت القوات المسلحة الإيرانية. لقد تخلى الأسطول عن مقر قيادته في القاعدة الرئيسية في جزيرة البحرين، وتفاوضت واشنطن مع لندن على تأجير هذه القاعدة ـ الجزيرة لقواتها. أعقب ذلك تقارير وتصريحات أميركية عن نفاذ مخزون القوات الأميركية من الصواريخ والذخائر اللازمة لمواصلة العدوان على إيران، ثم تبين أن هذا النقص هو عجز إنتاجي عسكري في أميركا نفسها، التي صارت مكشوفة لوجستياً أمام خصومها الكبار : روسيا والصين.
وتشكل إسرائيل حالة نموذجية لقراءة هذا التقهقهر الأميركي على المستوى الإقليمي ـ الدولي. فالصحفي الإسرائيلي اريئيل كاهانا، ينقل في صحيفة "يسرائيل هيوم"، ينقل عن أحد رموز حرب الإبادة التي تشنها اسرائيل على فلسطينيي قطاع غزة، ومن انصار "الثورة الإستيطانية" الصهيونية في الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، العميد إيريز فينر (Wiener)، قوله :
ـ هاكم اعتراف صريح بأن شعار "النصر المطلق" قد أُطلق لرفع المعنويات ولم يتحقق كاملاً، لكن معطيات الميدان، مثل هدوء جبهة غزة وتراجع حلقة النار الإيرانية وامتناع طهران عن الضرب المباشر [على فلسطين المحتلة] تؤكد التفوق العسكري الحاسم لإسرائيل.
نعم، لقد خسرت الولايات المتحدة الأميركية الحرب العسكرية مع إيران. وهي مثل إسرائيل لم تعد تنشد "النصر المطلق" لأنها ليست قادرة عليه. وأنها مثل إسرائيل أيضاً، باتت تكتفي بالسعي إلى "التفوق العسكري الحاسم" على أعدائها.
لكن هل ستسنح الظروف لها بتحقيق هذا المكسب.
قال ليون بانيتا، وزير الحرب الأميركي السابق، ومدير وكالة الإستخبارات المركزية السابق :
ـ "أرى أن ثمة احتمالاً بأن تستمر هذه الحرب مع إيران ستة أشهر أخرى دون التوصل إلى تسوية". فـ"لم يعد سراً أن أميركا وإيران قد دخلتا في طريق مسدود، كما أن السبل المتاحة لإنهاء هذه الحرب ضئيلة للغاية". ويضيف في هذا الحديث الذي أدلى به، منذ أيام إلى صحيفة ذا غارديان البريطانية :
ـ "الرئيس دونالد ترامب أدخل نفسه في مأزق مستعص، وإدارته تواجه خطر الانزلاق إلى حرب أبدية في الشرق الأوسط.. حرب فاشلة أخرى".
لقد بدات الولايات المتحدة الأميركية الحرب الثانية على إيران من فشل إستخباري هائل. فقد اقتنعت إدارة ترامب بمخطط الإستخبارات الإسرائيلية المبني على "معلومات دقيقة لديها"، بأن اغتيال القيادة، خصوصاً السيد علي خامنئي رحمه الله، وضرب بعض مفاصل الدولة الإستراتيجية، سيؤدي إلى انهيار النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولكن النتيجة باتت معروفة. الإعلام الأميركي يشغل الراي العام، الآن، بتسريبات من الأوساط العسكرية والسياسية في واشنطن، تزعم أن إيران تنجح في التصدي للمعتدين الأميركيين، بفعل "مساعدة صينية" أو "روسية". لا يريدون الإقرار بالفشل. إنها الغطرسة الإمبريالية، التي تقلل من شأن الشعوب الحرة والأمم المستقلة، وتستهدف الدول الوطنية بالحرب والعدوان.
حرب الحصار البحري وحرب العقوبات الإقتصادية ستنفد صلاحياتها "الميدانية"، قريباً. لقد لجأت إليها إدارة الرئيس ترامب، لنها عاجزة عن خوض حرب حاسمة وتحقيق "النصر المطلق". ولت أيام "الحروب الحاسمة". العالم يتغير.
مركز الحقول للدراسات والنشر
السبت، 14 ربيع الثاني، 1448 الموافق 26 أيلول، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً