2026-10-25
Alhoukoul
انتخابات البرازيل : هل ينهار الحائط الذي يصد تدخلات ترامب في الأمريكتين

انتخابات البرازيل : هل ينهار الحائط الذي يصد تدخلات ترامب في الأمريكتين

إذا ما حدث تغيير في السلطة في البرازيل، غداً، فمن المرجح أن تنضم البلاد إلى مجموعة الدول الأمريكية اللاتينية المتحالفة مع البيت الأبيض

24-10-2026

كتب داويسون بيليم لوبيز/ ترجمة وتحرير الحقول ـ بيروت : يتوجه البرازيليون غداً، الأحد في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى صناديق الاقتراع مجدداً في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. ولن تقتصر أهمية النتائج على مستقبل البرازيل فحسب، بل ستمتد آثارها لتشمل المنطقة والعالم بأسره. فإلى جانب كندا والمكسيك، تُعد البرازيل في ظل قيادة الرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، واحدة من الدول القليلة في المنطقة التي تصدت لمحاولات دونالد ترامب للتدخل في شؤونها.


صعود اليمين المتطرف

في عهد لولا، لا تزال البرازيل تمثل حصناً منيعاً ضد فرض أجندات شعبوية يمينية؛ وهي أجندات يرى منتقدوها أنها تتعارض مع المصالح الأوسع للمجتمعات المحلية، بينما تخدم مصالح نخب داخلية بعينها. وفي هذا السياق، ينبغي لنا النظر إلى الانتخابات البرازيلية جنباً إلى جنب مع العمليات الانتخابية الأخرى في "العالم الديمقراطي".

لقد وصل العديد من القادة الذين يتبنون نهج ترامب إلى سدة الحكم في القارة مؤخراً. وقد جمعت مجلة "ذا إيكونوميست" إحصاءات وصفية لرصد هذا الاتجاه؛ فبينما كان هناك رئيسان أو ثلاثة رؤساء في المنطقة يتماهون مع ترامب في عام 2023، ارتفع هذا العدد اليوم ليصل إلى 11 رئيساً. وإذا ما انتُخب فلافيو بولسونارو ـ نجل الرئيس السابق المسجون جايير بولسونارو ـ فسيكون هو الرئيس الثاني عشر في هذه القائمة. وفي حال حدوث ذلك، فإن اصطفاف دول أمريكا الجنوبية والوسطى مع الإدارة الأمريكية الحالية سيزداد رسوخاً.


"واقعية الدول الطرفية"

تُعد "واقعية الدول الطرفية/Peripheral realism" إحدى المدارس الفكرية في العلاقات الدولية التي تحاول تفسير هذه الظاهرة [انطلاقاً من كون النظام الرأسمالي الدولي يقوم على الدول المركزية والدول الطرفية]. ووفقاً لهذه النظرية، تتبنى هذه الدول موقفاً تابعاً [للدول المركزية، والمقصود في النص، هي الولايات المتحدة الأمريكية] انطلاقاً من تقييم واقعي يقر بأنها لا تملك سوى موارد شحيحة وقوى محدودة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو مؤسسية أو دبلوماسية، ما يجعلها أشبه بعربة تُجر خلف قاطرة الولايات المتحدة.

وهناك اليوم أصوات في كولومبيا والأرجنتين تروج لهذا التوجه. كما يبدو أن الفكر السائد داخل الدائرة المقربة من فلافيو بولسونارو يتماشى أيضاً مع مبادئ "واقعية الدول الطرفية". وقد أبدى المرشح بولسونارو تعاطفاً علنياً مع دونالد ترامب، وصرح في تجمعات انتخابية بأنه في حال انتخابه، سينضم إلى مبادرة ترامب للأمن الإقليمي، المعروفة باسم "درع الأمريكتين" (Shield of the Americas)، بهدف "مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات".

وتأخذ بعض المقالات والمواد الدعائية الخاصة بحملة فلافيو بولسونارو بهذا التوجه الفكري ـ السياسي، بصورة سافرة؛ فإذا ما حدث تغيير في السلطة ـ بفوز المنافس على الرئيس الحالي في البرازيل ـ فمن المرجح أن تنضم البلاد إلى مجموعة الدول الأمريكية اللاتينية المتحالفة مع البيت الأبيض، والتي تضم الأرجنتين وكولومبيا؛ وهما ثاني وثالث أكبر دولتين في أمريكا الجنوبية (بعد البرازيل بفارق كبير).

وعليه، فإن "واقعية الدول الطرفية"/Peripheral Realismتقوم على فكرة تقبُّل الدولة لوضعها كطرفٍ هامشي [في نظام العلاقات الدولية]، يتعامل بأقصى درجات البراغماتية، وهو ما يعني تطبيع الخضوع لمصالح الدولة الأكثر قوة. ومن خلال هذا النهج، يتم التخلي عن مفهوم "المساواة السيادية" بين الشعوب، الذي يؤلف أحد ركائز القانون الدولي ومبادئه، ومن ثم الاعتراف بوجود تفاوت في القوة بين الدول، ومحاولة استخلاص بعض المكاسب بناءً على هذا "الواقع".

تكمن المشكلة في أن هذه المزايا تؤول، في أغلب الأحيان، إلى النخبة الحاكمة في الدولة الطرفية الخاضعة. إذ يقع على عاتق المجتمع ككل، في نهاية المطاف، تحمل تكاليف هذا الخيار في السياسة الخارجية. وهذه ليست نظرية مُختلقة حديثاً، بل لها جذور تاريخية. ففي تسعينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، تبنى المنظر الأرجنتيني الشهير كارلوس Escudé / إسكودي، الذي كان مستشاراً للرئيس الأرجنتيني آنذاك كارلوس منعم، هذا التوجه الفكري ـ السياسي.

وهناك أمثلة أخرى، منها، كوستاريكا، لا تمتلك جيشاً، إذ تخلت عنه وأوكلت مهامها الأمنية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويُعد هذا نموذجاً كلاسيكياً لكيفية التضحية بأحد الركائز الأساسية للسيادة الوطنية، وهي امتلاك قوة مسلحة لحماية الأراضي والسكان، والعيش [مع الإمبرياليين الأمريكيين] في ظل ما يسمى "واقعية الدول الطرفية" (peripheral realism).


استشراف السيناريوهات

في حال فوز فلافيو بولسونارو غداً، الأحد في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، فإن إحدى الخطوات الأولى التي ستخذها، كما أعتقد، ستكون انضمام البرازيل إلى مبادرة "درع الأمريكتين" (Shield of the Americas) التي أطلقها ترامب، وهو تحالف أُنشئ بذريعة مكافحة الجريمة المنظمة في القارة الأمريكية. وقد يمهد هذا الإنضمام، الطريق لمزيد من التدخلات الخارجية الأمريكية في القضايا المتعلقة بالأمن الدولي.

أما على الصعيد الاقتصادي، فمن المرجح أن يشهد اقتصاد البرازيل تباطؤاً. وفي مقال نشراه مؤخراً على منصة "بروجيكت سنديكيت" (Project Syndicate)، أشار كلاً من الخبيرة الاقتصادية البرازيلية البارزة لورا كارفالو والأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل، إلى أن خطط فلافيو بولسونارو لخفض الإنفاق العام بنسبة تصل إلى 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قد تدفع بالبرازيل نحو الركود، وتلحق الضرر بالعمال والمشاريع الصغيرة، وتستنزف الإيرادات الضريبية؛ وكل ذلك دون تقديم حل لمشكلة الديون التي تعاني منها البلاد.

علاوة على ذلك، وبالنظر إلى تركيبة التحالف الداعم لفلافيو بولسونارو ـ الذي يضم في طليعته شخصيات بارزة من الأسواق المالية وبيزنس القطاع الزراعي ـ فإني أتوقع أن يؤدي فوزه إلى عرقلة عملية إعادة التصنيع في البلاد. فمن المؤكد أن هذين القطاعين سيحظيان بمزيد من الاهتمام، بينما سيتضرر القطاع الصناعي الذي كان أحد أولويات الرئيس لولا، المنتمي لحزب العمال.

لكنني أبدي هذا التوقع بناءً على ما ألاحظه من حولي فقط، لا سيما وأن البرنامج الحكومي لفلافيو بولسونارو مليء بالثغرات. لا يوجد في الأمر ما هو ملموس للغاية؛ فما يحرك ناخبي فلافيو بولسونارو في الواقع هو شعور مناهض لـ "حزب العمال".

وثمة نقطة أخرى مهمة، وهي التواجد الأوسع لمنصات شركات التكنولوجيا الأجنبية الكبرى في البلاد. فهذه المنصات تواجه حالياً قيوداً، لا سيما من قِبل المحكمة الاتحادية العليا في البرازيل. ومن المؤكد أن هذه الشركات ستجد مساحة أكبر للعمل وستواجه عقبات أقل في السوق البرازيلية في حال فوز فلافيو بولسونارو.

وقد بدأت ملامح هذا التوجه تلوح في الأفق، من خلال طرح حجج تدعم حرية التعبير وتستند إلى الحريات الفردية؛ وهي حجج تخدم بوضوح مصالح هذه المنصات الرقمية الكبرى. وقد شهدنا سيناريو مشابهاً في الولايات المتحدة، حيث عرض دونالد ترامب على إيلون ماسك منصباً حكومياً، إلى جانب قيامه بعدة خطوات تقاربٍ تجاه أباطرة قطاع التكنولوجيا.


"ثورة الذكاء الاصطناعي"

نُشر مؤخراً مقال في الصحيفة البرازيلية اليومية "غازيتا دو بوفو" (Gazeta do Povo)، بقلم ماركوس ديغوت، وهو أستاذ في العلاقات الدولية عمل في إدارتي الرئيسين السابقين ميشيل تامر وجايير بولسونارو، وليندولفو كاديمارتوري، وهو دبلوماسي ينتمي إلى الدائرة المقربة من المرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو. ويقدم المقال لمحة عما قد تكون خارطة الطريق التي سيتبعها في هذا المجال، إذا ما فاز.

يرى الكاتبان أننا نعيش في خضم "ثورة ذكاء اصطناعي" تضاهي في أهميتها الثورة الصناعية التي شهدها القرنان الثامن عشر والتاسع عشر؛ فهي ثورة جديدة في أنماط الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية، وكافة جوانب الحياة البشرية. ونتيجة لذلك، يجري حالياً إعادة رسم التحالفات الدولية.

تتصدر الولايات المتحدة، برأيهما، المشهد في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات المتطورة، تليها الصين. ونظراً لافتقار البرازيل إلى الوسائل الفعالة لدخول هذا السباق نحو السيادة الرقمية، يرى الكاتبان أنه ينبغي على البرازيل الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، التي يعتبرانها أكثر جدارة بالثقة مقارنة بالصين.

وقد أشار الرئيس دونالد ترامب بوضوح، فيما يخص هذه المسألة، إلى أن من ليس مع الولايات المتحدة فهو ضدها. بل ذهب إلى حد إصدار توجيهات تقصر استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً، مثل نموذج "كلود" (Claude) التابع لشركة "أنثروبيك" (Anthropic)، على الشركات والمواطنين الأمريكيين دون سائر العالم، معللاً ذلك باعتبارات الأمن القومي. وفي جوهر الأمر، لا يعدو هذا كونه تطبيقاً عملياً لسياسة تهدف إلى تأخير أو عرقلة التطور التكنولوجي الصيني.

ويجادل كلاً من ديغوت وكاديمارتوري بأنه إذا لم تتحالف البرازيل مع الولايات المتحدة، فإنها ستُحرم من المشاركة في "ثورة الذكاء الاصطناعي"، وستجد نفسها معزولة عن العالم. ولكن، كيف يمكن للبرازيل أن تساهم في هذا التحالف الغربي للذكاء الاصطناعي؟ بعبارة صريحة ومباشرة: من خلال توفير المياه اللازمة لمراكز البيانات، والعناصر الأرضية النادرة الضرورية لإنتاج المعادن المطلوبة لدفع عجلة هذه الثورة.

وهكذا، ستظل البرازيل، مرة أخرى، مورداً موثوقاً للأمريكيين يمدهم بالمعادن الحيوية والموارد المائية اللازمة لها "الثورة". إنها الصيغة القديمة ذاتها، ولكن في ثوب رقمي جديد. إن شركات التكنولوجيا الكبرى هي التي تتبنى نظرية "الواقعية الهامشية"، لكي تُبقي البرازيل حبيسة نموذجٍ قائمٍ على الإقتصاد الاستخراجي؛ وهو النموذجٌ الذي خبرناه جيداً منذ 500 عام.

Dawisson Belém Lopes/ داويسون بيليم لوبيز

أستاذ السياسة الدولية والمقارنة، جامعة ميناس جيرايس الفيدرالية (UFMG)

ترجمة وتحرير الحقول

نشر هذا المقال على موقع  The Conversationيوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 2026، الساعة 12:58 صباحاً بتوقيت بريطانيا الصيفي، وقد وصلنا بالإنكليزية عبر بريد موقع الحقول

نُشر هذا المقال في الأصل باللغة البرتغالية.

مركز الحقول للدراسات والنشر

‏السبت‏، 13‏ جمادى الأولى‏، 1448 الموافق ‏24‏ تشرين الأول‏، 2026

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق