تركيا تُغرق ليبيا في الأزمة ...؟
تعمدت أنقرة تحويل الجيش التابع لحكومة طرابلس المعترف بها دولياً إلى نوع من القوة الرديفة للجيش التركي، على غرار سوريا
تعمدت أنقرة تحويل الجيش التابع لحكومة طرابلس المعترف بها دولياً إلى نوع من القوة الرديفة للجيش التركي، على غرار سوريا
كتب محرر الحقول ـ الوطن العربي : تصر تركيا في أحدث البيانات الرسمية الصادرة حول ليبيا، بأنها "تواصل دعمها للعملية السياسية الشاملة للأمم المتحدة التي تضم جميع الأطراف الليبية، والقائمة على تحقيق إرادة الشعب بعيداً عن التدخل الخارجي". لكن الواقع الفعلي يغالط هذه البيانات.
فقد أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، عن سياسة التدخل الشاملة في الشؤون الليبية، خصوصاً بعد عام 2019 ـ 2020، عندما استحصل من حكومة فايز السراج على عدد من "الإتفاقيات" الملتبسة، التي عقدت في ذروة الإنقسام الداخلي بين طرفي الحرب الأهلية الليبية.
لم تقل تركيا أنها "تدخل" طرفاً في تلك الحرب. بل قالت، حينها، بلسان أن الرئيس أردوغان نفسه، إن "بلاده ستواصل تحمل المسؤولية التي أخذتها على عاتقها في ليبيا". لأن "علاقاتنا مع ليبيا تمتد لأكثر من 500 عام، ولن نترك أشقاءنا الليبيين لوحدهم".
أفاد التدخل التركي "الأشقاء" في قوات حكومة السراج والميليشيات المؤيدة لها دون سواهم. ما أدى إلى تعديل توازن القوى الميداني بين الطرفين المتقاتلين حكومة طرابلس الغرب وحكومة بنغازي. لقد استخدم الأتراك "قوات مرتزقة" نقلت من سوريا، لكي تغذي اقتتال "الأشقاء" الليبيين.
كانت ليبيا قد وقعت في اضطراب داخلي مزمن، بعد الغزو الأطلسي للبلاد الذي اسقط نظام الرئيس السابق العقيد معمر القذافي عام 2011. ثم اشتدت المأساة الليبية مع زوال الدولة المركزية "القذافية"، حتى عادت ليبيا إلى ما يشبه الإنقسام السابق للإستقلال عام 1951.
وتجاهر أصوات ليبية، بجرأة وطنية، بأنه "بعد أحداث 2011، اتضح لكثير من الليبيين، حتى لمن شاركوا في تلك الأحداث، أن ما جرى لم يكن ثورة بمعناها النقي، بل كان خدعة كبرى مهدت لتدخلات أجنبية أطاحت بالسيادة، ومزقت البلاد إلى كانتونات".
ومن الطبيعي أن تظهر مثل هذه الأصوات. لأنه منذ بداية التدخل التركي، قبل ست سنوات، تبتعد ليبيا عن "العملية السياسية للأمم المتحدة"، التي تؤيدها أنقرة في البيانات وحسب. بينما تفشل حكومة طرابلس الغرب في انقاذ البلاد من مستنقع الفساد.
لقد حذر سياسيون ليبيون من أن "الدينار يواصل رحلة الانهيار. فالأسعار ترتفع بلا توقف، وسعر صرف الدولار في السوق الموازية صار ميزان حرارة يكشف كل كذبة رسمية". ويقولون أن "البضائع تستورد قبل انتهاء صلاحيتها بشهر ليبيعها التاجر وكأنها خرجت من المصنع أمس".
ولكن نظام الرئيس أردوغان لا يأبه للمصير الوطني لليبيين ووطنهم المنقسم على ذاته. بل يستغل الإنقسام لتعظيم حصته من "الغنيمة الليبية". لقد صدرت تركيا منتجاتها إلى 56 دولة أفريقية في عام 2024، بقيمة 20 مليار دولار، منها 2,5 مليار دولار أي 12,5 % إلى السوق الليبية. وهذا الرقم لا يشمل الواردات الليبية العسكرية من تركيا.
وتذكر بعض التقارير أن تداخل الأزمة الاقتصادية مع الانقسام السياسي وتدهور الوضع الأمني في الجنوب يشكل مزيجاً من المخاطر قد يدفع ليبيا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. لكن حسابات أنقرة تميل إلى تأليب وتغليب الليبيين على بعضهم.
وبعد لقاء رئيس حكومة طرابلس الغرب مع رئيس الإستخبارات التركية إبراهيم قالن، في 12 شباط الماضي، أعلن عن "تعزيز الجهود الدولية المنسقة لدعم المسار السياسي في ليبيا، بما يسهم في ترسيخ التوافق الوطني، ودفع العملية السياسية نحو حلول تعزز الاستقرار ووحدة البلاد".
إلا أن هذا الإعلان كرس انفصال أقوال أنقرة عن أفعالها. فالمسؤول التركي حضر إلى ليبيا بعد حوالي أسبوع على اغتيال السياسي الليبي سيف الإسلام معمر القذافي يوم 3 شباط الماضي، في مدينة الزنتان، تجاهل الجريمة. علماً بأن سيف الإسلام كان ركناً في الحوار الوطني ومعارضاً للتدخل التركي في بلاده.
وهناك بعض التقارير التي أشارت إلى قالن حضر إلى ليبيا، لإبلاغ رئيس حكومة الغرب عبد الحميد الدبيبة، بنتائج "التحقيق التركي" في سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي الجنرال محمد علي الحداد ومصرعه، يوم 23 كانون الأول 2025، قرب مطار أنقرة، وهو الذي كان "يحمي" نشاط سيف الإسلام.
وكان رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي أسامة حماد، غير المعترف بها دولياً، أي حكومة بنغازي، قد دعا رئيس حكومة طرابلس الغرب عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دوليا يوم 4 آذار الماضي، إلى "إطلاق حوار وطني شامل وجاد في أقرب وقت، يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة ذات طابع توافقي، بمهام واضحة وصلاحيات محددة ضمن إطار وطني ملزم".
كما سبق أن دعا حماد الدبيبة يوم 18 شباط الماضي، إلى إجراء حوار مباشر لمعالجة الأزمة المالية الحالية، أو "الخروج معا من المشهد"، وإفساح المجال أمام شخصيات أخرى لتوحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار في البلاد. ولكن عراقيل حادة تمنع هذا الحوار.
لقد تعمدت أنقرة تحويل الجيش التابع لحكومة طرابلس المعترف بها دولياً إلى نوع من القوة الرديفة للجيش التركي، على غرار ما فعلته في سوريا وما حاولت فعله في الصومال والسودان ودول عربية أخرى. وهذا ما يتضح من بيان مستشار العلاقات العامة والإعلام بوزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك.
فقد ورد في بيان أكتورك "إنه تم تدريب أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، حتى الآن، من قوات حكومة الدبيبة في مراكز تدريب في كل من تركيا وليبيا. بالإضافة إلى ذلك، تستمر أنشطة الدعم في مجالات إزالة الألغام والعبوات، ومكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والإرهاب".
إن تقسيم القوات المسلحة الليبية ومنع توحيدها يرجع إلى موقف أنقرة. فقد وضعت مستشارين في الحكومة والجيش في غرب ليبيا يتبعون تنظيم "الإخوان"، ويؤيدون وينشرون أفكاراً "إخوانية" عن "الخلافة الإسلامية"، ودور تركيا والرئيس أردوغان وحزبه الحاكم في إحيائها.
لكن الأهم أن هذه الكتلة "الإخوانية" تملك جزءاً من مفاتيح السلطة في ليبيا، وهي تغذي العداء لمصر. ويقول خبير عربي في الشؤون الليبية، ساخراً : "شوفوا، أردوغان يريد أن يحكم ليبيا ويسيطر على مواردها النفطية وكل خيراتها، بذريعة وجود علاقة عمرها 500 عام كانت بينها بين سلطنة بني عثمان البائدة. بينما مصر التي ترتبط مع ليبيا بعلاقة وجودية تمتد لآلاف السنين، ممنوع عليها أن تلتفت نحو ليبيا".
ويوضح هذا الخبير، أن تركيا تتبع سياسة تقسيم عرقي في مجتمع غرب ليبيا. فـ"المرتزقة" الذين شاركوا في الحرب الأهلية عامي 2019 ـ 2020، هم من السوريين التركمان، الذين صاروا قناة او أداة التواصل بين الضباط أو المستشارين الأتراك والعسكريين العرب في ليبيا. كما أن حصل هؤلاء "المرتزقة" على نفوذ كبير، بعد أن نجحوا في هزم قوات الجنرال خليفة حفتر لما هاجمت غرب ليبيا.
النقطة الرئيسية هي أن الدور التركي في ليبيا يقع تحت سقف السياسة الأميركية في دول المغرب العربي. كما تلتزم أنقرة، بصرامة شديدة، بـ"شروط الوكالة" التي منحتها واشنطن لها. وأهم هذه الشروط الحفاظ على حال التوتر الداخلي في ليبيا، وتكييف "دولة ليبيا الجديدة" على هوى تلك السياسة.
ومثلما الحال في سوريا، فقد أنجز الأميركيون في ليبيا، بمساعدة نظام الرئيس أردوغان، وإمارة قطر، "إعادة تأهيل" للمجموعات التكفيرية الإرهابية سواء من "الإخوانيين" أو من "القاعدة" وحتى "داعش"، لكي يصبحوا ملائمين للدخول في هيكل السلطة الثنائي في "ليبيا الجديدة".
إن إحباط الحوار الوطني بين الليبيين لطالما أرادته أنقرة، لكن من تحت اليد الأميركية. وقد رأينا كيف فرض الأميركيون/ في نيسان 2025، على حكومتي طرابلس الغرب وبنغازي تشكيل قوة عسكرية موحدة، شاركت بالمناورات السنوية التي نظمها الجيش الأميركي تحت مسمى "الأسد الأفريقي 2025" في تونس.
لقد أصبح التوافق الليبي ـ الليبي مطلباً وطنياً. وهناك نخب ليبية وطنية ترى أن ضمان تجاوز البلاد "للمنعطف الحرج" أمامها، يوجب "توحيد السلطة التنفيذية، لأنه المدخل الحقيقي والوحيد لترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي، وضمان وصول الخدمات إلى كل مدينة وقرية في ليبيا دون تمييز أو إقصاء".
فهل تسمح تركيا للشعب الليبي بتقرير مصيره وفق توجهات الأمم المتحدة وتبعده عن خطر تجدد الحرب الأهلية أم أنها تنتظر القرار الأميركي.
لقد كشف الخبير العربي الذي اشرنا إليه آنفاً، عن اجتماع ليبي ـ أميركي سري عقد في روما في مطلع أيلول الماضي. وقد حضره عن الجانب الليبي الرجل القوي في طرابلس الغرب، مستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، والرجل القوي في بنغازي صدام حفتر نجل الجنرال خليفة حفتر. أما ممثل الجانب الأميركي في الإجتماع فكان مسعد بولس مبعوث الرئيس دونالد ترامب للشؤون الإفريقية.
إن هذا السؤال وجيه ومبرر والكرة في ملعب أنقرة.
محرر الحقول
مركز الحقول للدراسات والنشر
الأربعاء، 06 ذو القعدة، 1447 الموافق 22 نيسان، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً