ضحايا الأسلحة الكيميائية "الإسرائيلية" المنسيين في غزة
في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، قال يوفال أبراهام وراشيل سور، مخرجا فيلم "نازا": "بصفتنا إسرائيليين، نحن جميعاً متواطئون، إلى حد ما، في الجرائم المرتكبة في غزة"
في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، قال يوفال أبراهام وراشيل سور، مخرجا فيلم "نازا": "بصفتنا إسرائيليين، نحن جميعاً متواطئون، إلى حد ما، في الجرائم المرتكبة في غزة"
كتب محرر الحقول / خاص ـ بيروت : تقترب الذكرى السنوية العالمية لضحايا الحرب الكيميائية في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. وتنأى وسائل الإعلام والميديا والمنظمات الحقوقية والسياسية العربية عن مسؤوليتها بهذه المناسبة، التي توجب عليها إرساء تقليد إحياء ذكرى ضحايا الأسلحة الكيميائية التي يستخدمها جيش الإحتلال "الإسرائيلي" ضد المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين يقاومون خطر الإحتلال وهيمنته.
استخدام "إسرائيلي" لـ"الكيمائي في غزة منذ عام ... 1948؟!
تبين تقارير الإستقصاء الصحفي التي وثقت جرائم جيش الإحتلال "الإسرائيلي" التي ارتكبها بسلاح الغازات الكيميائية، أن بعض هذه الجرائم يعود إلى تاريخ سابق على طوفان الأقصى في غزة يوم 7 تشرين الأول / أوكتوبر 2023. وهذا النوع من الجرائم يقترن بالمشروع الصهيوني وبوجود "إسرائيل" نفسها، حيث تدون الوثائق التاريخية محاولات يهودية صهيونية مبكرة، لاستعمال الأسلحة الكيميائية ضد المدافعين عن قطاع غزة في عام 1948.
نشر موقع الأهرام أونلاين، تقريراً مختصراً صادراً عن وزارة الصحة الفلسطينية، يوم الخميس 13 ايار/ مايو 2021، يتحدث عن استعمال الجيش "الإسرائيلي" سلاحاً كيميائياً، تسبب بـ"وفاة عدد من الفلسطينيين اختناقاً، جراء استنشاق غازات سامة انبعثت من صواريخ إسرائيلية سقطت في أنحاء قطاع غزة المحاصر". كما ذكرت الوزارة في بيان بثته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، "أن عدداً من ضحايا العدوان "الإسرائيلي" المستمر على غزة نُقلوا إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث خضعوا لفحص طبي شرعي خلص إلى أن الاختناق كان السبب الرئيسي للوفاة". وأن "خبراء الطب الشرعي، قد أفادوا بأن الضحايا ظهرت عليهم علامات خارجية تشير إلى احتمال استنشاقهم غازات سامة، قد أخذت عينات لإجراء فحوصات إضافية".
جرائم إطلاق الغاز السام "الإسرائيلي" على "مسيرات العودة"
وكان "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" قد اتهم "إسرائيل"، منذ سنوات، باستعمال "القوة المفرطة" ضد المشاركين في "مسيرات العودة" الفلسطينية، عند السياج الشرقي لقطاع غزة، حيث أطلق جيش الإحتلال قنابل الغاز السام والرصاص المتفجر على المشاركين في تلك "المسيرات". وبُنِيَ الإتهام في التقرير على شهادات ميدانية جمعها فريق "المرصد" في غزة، من الأطباء الذين عالجوا المصابين، ومن الضحايا أنفسهم سواء الذين تعرضوا لقنابل الغاز السام التي أطلقها الجيش "الإسرائيلي" عليهم، عمداً، أو الذين جرحوا برصاص قناصته، من دون أن يمثلوا أي تهديد لجنود الإحتلال. وخلص تقرير "المرصد" الذي وزع يوم 13 أيار/ مايو 2018، إلى أن "إسرائيل" انتهكت بشكل صارخ كلاً من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وإن إطلاق الغاز السام والرصاص المتفجر على الفلسطينيين المشاركين في "مسيرات العودة" (قد) يرقى إلى مستوى الجرائم بموجب "نظام روما الأساسي".
ويُذكّر تقرير صحفي عربي بأن الجيش "الإسرائيلي" استخدم غازات سامة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر، في عام 2014. ونقل عن مسؤولين صحيين في القطاع، أن عشرات الفلسطينيين، بمن فيهم أطفال، أصيبوا بحالات اختناق مؤقتة جراء استنشاق غازات سامة أطلقتها القوات "الإسرائيلية" خلال الهجمات الحربية المدمرة الني شنتها في شمال وجنوب قطاع غزة، ضمن ما وصفته بـ"عملية الجرف الصامد".
وتستند دعوة "المرصد الأورومتوسطي" إلى محاكمة المسؤولين "الإسرائيليين"، الذين أمروا بجرائم السلاح الكيماوي ضد الفلسطينيين في غزة، أمام القضاء الدولي، إلى تعريف هذه الأسلحة، في اتفاقية "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تأسست عام 1997، وترتبط بعلاقات تعاون مع الأمم المتحدة"، فـهذا التعريف المنشور على صفحة "المنظمة"، ينص على :
ـ أن الأسلحة الكيميائية هي مواد كيميائية تستخدم للتسبب بالموت أو إلحاق الضرر المتعمد من خلال خصائصها السمّية. كما تندرج كل المعدات المصممة خصيصاً لتحويل المواد الكيميائية السامة إلى سلاح تحت تعريف الأسلحة الكيميائية. كما تعرف المواد الكيميائية السامة على أنها أسلحة كيميائية، ما لم يتم تطويرها، أو إنتاجها، أو تخزينها أو استخدامها لأغراض غير ممنوعة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
دور سلاح الغاز في حرب الإبادة في غزة
يعتبر تقرير منظمة العفو الدولية الذي أصدرته يوم 5 كانون الأول 2024، منعطفاً أساسياً في مسار النظر الحقوقي الغربي إلى الوضع في قطاع غزة والموقف المناسب إزاءاه. بعدما خلص هذا التقرير إلى أن "إسرائيل" ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. أصبح سلاح الغاز السام، بعد طوفان الأقصى، أحد الأسلحة الكيمائية الفتاكة التي استعملها جيش العدو "الإسرائيلي" في جرائم حرب الإبادة الجماعية التي شنها على السكان الفلسطينيين في قطاع غزة. وكانت المصادر "الإسرائيلية" هذه المرة سباقة في الكشف عن ذلك، بسبب اختناق عدد من الأسرى "الإسرائيليين" في أنفاق المقاومة الفلسطينية في القطاع، بعد أن ضخ الجيش "الإسرائيلي" الغاز فيها. وقد دعت صحيفة "هآرتس" "الإسرائيلية" في مقال افتتاحي إلى إجراء تحقيق عاجل في استخدام القوات "الإسرائيلية" للغاز السام في قطاع غزة. وأعاد موقع الجزيرة القطري نشر المقال "الإسرائيلي" كاملاً.
وأثارت الصحيفة "الإسرائيلية" تساؤلات جوهرية حول كيفية استعادة الجيش "الإسرائيلي" جثث ثلاثة أسرى "إسرائيليين" من نفق قتلوا بداخله في جباليا، شمالي قطاع غزة، بتاريخ 14 كانون الأول/ ديسمبر 2023. وقالت الصحيفة إن الجيش "الإسرائيلي" سلم عائلات القتلى تقريراً طبياً شرعياً يوضح تفاصيل العثور على الجثث. وقالت والدة أحد القتلى، وهي طبيبة بيطرية، إن نتائج التقرير تشير إلى أن ابنها قُتل جراء تعرضه لغاز سام ضخته القوات "الإسرائيلية" داخل النفق. وقالت في منشور على وسائل التواصل : " كان قتلاً مع سبق الإصرار: قنابل تحتوي على غاز سام". وقد راوغ المتحدث باسم الجيش "الإسرائيلي"، دانيال هاغاري، في رده على هذا الإتهام، إذ صرح بأنه لا يمكن تحديد سبب الوفاة، متجنباً تأكيد أو نفي كلام الوالدة الثكلى.
وتساءلت هذه الصحيفة : هل استخدمت القوات "الإسرائيلية" الغاز السام في أنفاق غزة. وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان ذلك مبرراً قانوناً بموجب قوانين الحرب الدولية. ومن أصدر الأوامر باستخدامها، وهل أُخذت حياة الأسرى الإسرائيليين في الحسبان عند اتخاذ قرار مهاجمة النفق؟. وطالبت بإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الحادث، بدلاً من انتظار انتهاء الحرب "الإسرائيلية" على غزة.
"يتعمد" الجيش "الإسرائيلي" استعمال الغاز السام كسلاح كيميائي
واليوم، بعد انقضاء ثلاث سنوات على حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة، نرى كيف ترفض "إسرائيل" كل تحقيق دولي مستقل في جرائم جيشها بحق بنات وأبناء الشعب الفلسطيني في غزة. علماً بأن هذه الحرب الإجرامية المتواصلة من 1111 يوم، ما كان لها أن تمتد طيلة هذه السنوات، لولا دعم الولايات المتحدة الأميركية وكتلة الدول الأطلسية لمدبريها. وفي مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، قال يوفال أبراهام وراشيل سور، مخرجا فيلم "نازا": "بصفتنا إسرائيليين، نحن جميعاً متواطئون، إلى حد ما، في الجرائم المرتكبة في غزة". ويعد الفيلم وثيقة جديدة عن هذه الحرب، حيث يقدم للرأي العام "شهادات 24 عسكريا وضابط استخبارات إسرائيلياً عن آليات تخطيط وتنفيذ الأعمال الحربية ضد قطاع غزة، ويشرح كيف تحولت أعداد المدنيين الفلسطينيين، وكانوا بالمئات أحياناً، المتوقع إبادتهم في الهجمات الجوية الإسرائيلية". وبعد فوز فيلم "نازا" بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، طالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر بفحص إمكانية سحب الجنسية "الإسرائيلية" من مخرجي الفيلم، يوفال أبراهام وراشيل زور.
ويعتبر يوفال أبراهام، وهو إضافة إلى كونه مخرجاً سينمائياً، صحفياً استقصائياً. وقبل إنجاز فيلم "نازا"، أعد تقريراً وثائقياً، في شهر شباط/فبراير من العام الماضي، حمل عنوان : "إسرائيل استخدمت غازات سامة لخنق مقاتلين فلسطينيين ومحتجزين داخل أنفاق غزة".
ويتهم التقرير، قوات الإحتلال "الإسرائيلي" بأنها "استخدمت عمداً النواتج السامة للقنابل كسلاحٍ لخنق" مقاتلي المقاومة الفلسطينية الذين يُعتقد أنهم اتخذوا من الأنفاق ملاذاً لهم خلال الحرب. واستمد تقرير أبراهام معلوماته عن تلك الغارات من ضباط في مديرية الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، ممن شاركوا في العمليات الحربية التي استهدفت الأنفاق منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقال أن تلك الغارات، التي غالباً ما استُخدمت في الغارات "الإسرائيلية" قنابل أميركية الصنع، أسفرت عن إبادة "مئات" المدنيين الفلسطينيين تحت مسمى "أضرار جانبية"، كما تسببت في مقتل أسرى "إسرائيليين" أيضاً، كانوا في الأنفاق.
غوتيريش والغاز السام : "إسرائيل على علم بهذه الحقيقة منذ عام 2017"
كما أورد تقرير يوفال أبراهام اتهاماً من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لـ"إسرائيل"، باستخدام سلاح الغاز السام ضد الفلسطينيين في غزة. وقال غوتيريش، إن "القنابل [الإسرائيلية] المخصصة لتدمير التحصينات تحت الأرض (bunker busters) تُنتج غاز أول أكسيد الكربون السام، وهو غاز يمكن أن يقتل الأشخاص داخل الأنفاق اختناقاً حتى على مسافة مئات الأمتار". وأكد "أن إسرائيل كانت على علم بهذه الحقيقة منذ عام 2017". كما نقل التقريرتصديقاً لكلام غوتيريش عن العميد (احتياط) في الجيش "الإسرائيلي" غاي هازوت، قوله : إن "الغاز يبقى تحت الأرض، فيختنق الناس. وقد أدركنا أنه يمكننا استهداف أي شخص تحت الأرض بفعالية باستخدام قنابل سلاح الجو المخصصة للتحصينات؛ فحتى لو لم تدمر القنبلة النفق، فإنها تطلق غازات تقتل كل من بداخله، ليتحول النفق بذلك إلى فخ للموت". كما تضمن التقرير على اعتراف من مسؤولين عسكريين "إسرائيليين"، بأن "الهدف من استخدام هذا الأثر [السلاح] الكيميائي [للقنابل] كان مقتصراً على القضاء على مقاتلي" المقاومة الفلسطينية.
تؤكد هذه المعطيات الموثقة عن جرائم الجيش "الإسرائيلي" التي استعمل فيها سلاح الغاز السام في قطاع غزة، لزوم إحياء ذكرى الضحايا الفلسطينيين الذي اختنقوا به، سواء كانوا من المدنيين أم من المقاومين. ومع اقتراب يوم 30 تشرين الثاني / نوفمبر، يجدر بوسائل الإعلام والميديا والمنظمات الحقوقية والسياسية في الدول العربية والعالم، خصوصاً جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، أن ترفع صوت ضحايا الغاز السام في غزة وأن تبحث عن حفظ حقوقهم ومحاسبة شلة المجرمين الذين استعملوا السلاح الكيميائي لقتلهم.
مركز الحقول للدراسات والنشر
الخميس، 11 جمادى الأولى، 1448 الموافق 22 تشرين الأول، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً