2026-02-13
Alhoukoul
اليسار العربي و

اليسار العربي و"العلاقة" مع تشومسكي "الإبستيني"!

لقد نسينا تشومسكي قبل وقت طويل من ظهوره على عتبة القواد إبستين، وهو يهودي صهيوني بامتياز، بسبب العلة الكبرى الثانية

12-02-2026

كتب الأستاذ علي نصَّار/ خاص الحقول ـ بيروت : تردد اسم الخبير في علوم اللغة، نعوم تشومسكي، في مصادر عربية منشورة، إبان النصف الثاني من ثمانينات القرن الخالي، كانت مكرسة لـ"علم الألسنيات". ولم يكن يهتم بـ"نظريته" في هذا "العلم"، حينئذ، سوى المختصين. أما في "علوم اليسار"، فكان الرجل لا يزال "مجهولاً".

بعد دخول تشومسكي إلى المستشفى، عام 2024، ادعت صحيفة يمينية لبنانية، أن تشومسكي "منحازٌ للانسانية حتى آخر نفس". وفي الشهر الماضي، اشتكى باحث عراقي، من غياب اللغة العربية عن "نظرية النحو التوليدي" التي ابتكرها تشومسكي. لكنه أصر على أنه "إنساني الفكر".

خفتت "الفقاعة التشومسكية" في أسواق النشر العربية ولم يعد الرجل يثير أي اهتمام، لأن "قصته" مع اليسار تلاشت وطواها عالم النسيان. إلا أن "حضور" اسمه في "سجلات" القواد الأميركي جيفري إبستين، وتوزيع صور حميمة لهما معاً، يقتضي العودة إلى بعض فصول تلك "القصة".

"تضعضعت" الترسانة الفكرية للقوى الماركسية العربية، مع "غروب الماركسية"، حسبما كتب المفكر الإشتراكي البارز رفعت السعيد، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي السابق (1991). وقد حدث "هرج ومرج نظري" مذهل، وتدافعت "الفئران" إلى هجرة السفينة الغارقة.

مكث الحزب الشيوعي اللبناني سنيناً "يفكر" بالعودة إلى الإسم الأول. والحزب الشيوعي السوري عقد مؤتمراً عاماً، ارتفعت على منصته صورة "المؤرخ" عبد الرحمن بن خلدون (1332 ـ 1406)، الذي يعرف في الأوساط العلمية بـ"الغلو المذهبي" المقيت.

في المجموعات الماركسية الأقل شأناً، مثل حزب العمل الإشتراكي العربي، فقد "رفعنا العتب" بادعاء "نظري"، عن "انتقادنا" المبكر لـ"بيريسترويكا" السوفياتي الصهيوني ميخائيل غورباتشوف. وهو "انتقاد" ما كان ليقدم ولا ليؤخر، حقاً، في مسار تهافت الحركة الإشتراكية في الوطن العربي.

ظهر اسم نعوم تشومسكي وسط هذا "الهرج والمرج النظري". فقد قرر "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت، ترجمة كتابه : "ردع الديموقراطية" / Deterring Democracy، الذي نشره بالإنكليزية في ربيع 1992. وكان أول مؤلَّف سياسي "نقرأه" لتشومسكي باللغة العربية.

لم يحكِ "المركز" سبب تلقف إدارته، آنذاك، لهذا الكتاب ومسارعتها إلى ترجمته، بعد شهور قليلة على صدوره بلغة المؤلف. وقد "فوجئنا" بانتقال تشومسكي إلى عالم التأليف السياسي، في العقد السابع من عمره (1928 ـ ...)، وبعد نهاية "الحرب الباردة". سوى أننا لم نفكر كثيراً بهذا السؤال ... الوجيه.

كنا متحمسين لقراءة الكتاب في غمرة بحثنا المرير عن "أسئلة المرحلة الجديدة". ورغم حجم الكتاب الكبير نسبياً، فقد حررنا عرضاً مناسباً له، نشر في مجلة "منبر الحوار" التي كان يصدرها في بيروت، المؤرخ اللبناني النشيط وجيه كوثراني.     

كان كتاباً جذاباً في نقده للسياسة الخارجية لحكومة بلاده، بل للدولة الأميركية. فقد عرض معلومات هامة عن "النظام الدولي" الغربي الذي شيدته وقادته الولايات المتحدة الأميركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وأبرزها احتكار سوق السلاح والأمن في هذا النظام.

كان كتاب "ردع الديموقراطية" مفيداً، للإطلاع على بعض جوانب اشتغال هذا النظام. مثل تصنيع اليابان وكوريا الجنوبية، ووضعهم مع أوروبا الغربية لا سيما ألمانيا الغربية، في إطار التبعية الإقتصادية والسياسية. كما وثق استهداف العراق (عام 1991) بسبب موارده الظاهرة والكامنة، وعقد مقارنة هامة بين تشجيع واشنطن على تصدير النيكوتين إلى دول الجنوب، ومحاربتها هذه الدول ومنعها من تصدير الكوكايين إلى دول الشمال، وتحديداً نحو الأراضي الأميركية.

إلا أن الكتاب من وجهة نظر القارئ اليساري الإشتراكي أو القومي العربي، كان يشكو من علتين. العلة الصغرى، وهي الفصل الخاص بـ"الإمبريالية الروسية". وقد أدرج في مطلع الكتاب. وهو منسوخ بالكامل عن أدبيات "المنظمات التروتسكية" التي نشطت بالتمويل الصهيوني السخي، خلال "الحرب الباردة".

أما العلة الكبرى في كتاب تشومسكي، بل في عقله، فكان موقفه ورأيه في القضية الفلسطينية اي في المشروع الصهيوني للإستيطان في فلسطين المحتلة. كان تشومسكي ضد الإستيطان وضد "القمع الإسرائيلي" للفلسطينيين في الضفة الغربية. لكنه كان "واقعياً" بشأن "أرض إسرائيل". و"إسرائيل"، هي "جزء من الواقع الذي يجب أن نعترف به".

انتفخت "الفقاعة التشومسكية" في الوسط اليساري، من دون تدقيق في ترتيب تشومسكي ضمن "كتالوغ" أطياف الحركة الصهيونية. لقد غلب على اليسار نوع من الصنمية الفكرية الموروثة من المرحلة السابقة. وكان هذا من بين الأسباب التي جعلته يعاني إلى الآن، من تفكك أجوبته عن "أسئلة المرحلة الجديدة".

نشرت كتب جديدة لنعوم تشومسكي. وهذا تأكيد على أن القارئ العربي لم يتحفظ عليه لكونه يهودياً أميركياً. لكن مساءلة هذه المنشورات بسبب تأييده "الصهيونية"، بشكل ما، لم تحصل، رغم التحذيرات الكثيرة. فهو ليس ضد المشروع الصهيوني في المبدأ، ولم نطلع على أي مؤلفات أو مقابلات أو مقالات له، تفيد عن أنه كان مناضلاً ضد هذا المشروع، ولا ضد الرأسمال المالي اليهودي الذي اصطنعه للهيمنة على اليهود أولاً.

لقد نسينا تشومسكي قبل وقت طويل من ظهوره على عتبة القواد إبستين، وهو يهودي صهيوني بامتياز، بسبب العلة الكبرى الثانية لدى هذا الكاتب السياسي القادم من بطون النظريات اللغوية. فمؤلفاته السياسية اللاحقة من كتاب "صندوق باندورا" وما تلاه، بقيت على نقد السياسة الأميركية عموماً، و"تاريخ" السياسة الخارجية، لكنها ظلت خالية من الجدية والإلتزام في مواجهة المشروع الصهيوني، وهذا بيت القصيد المطلوب عربياً من أي مثقف تحرري أجنبي. 

إن موقف تشومسكي من القضية الفلسطينية، لم يكن عابراً، بل كان دليلاً على أنه أحد أنماط "المثقف العضوي الصهيوني". المضحك، أنه قبل "الإنفجار الإبستيني" في وجه نخب "النظام الدولي الأميركي"، الذي ينتمي إليه تشومسكي، قرأنا له في مقابلة صحفية حديثاً يسخر فيه من اليساريين، الذين "يظنون انني مناضل يساري يعيش ويسعى كالمناضلين الثوريين". قال : "إنني أعيش حياة مرفهة".

ربما كان محقاً في سخريته.  

 

علي نصَّار

‏‏الإثنين‏، 22‏ شعبان‏، 1447 الموافق في ‏09‏ شباط‏، 2026

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق