برلين تتخلى عن "العملاء" الأفغان؟
تباشر حكومة ميرتس منذ تشكيلها إغلاق الباب أمامهم، حتى صار كره الأجانب جزءاً ظاهراً من الهوية الإجتماعية ـ الحزبية
تباشر حكومة ميرتس منذ تشكيلها إغلاق الباب أمامهم، حتى صار كره الأجانب جزءاً ظاهراً من الهوية الإجتماعية ـ الحزبية
كتب محرر الحقول / بيروت : انقلبت حياة مئات الأفغان إلى نقمة تهدد سلامتهم، لأن حكومة المستشار فريدريش ميرتس تمنعهم من اللجوء إلى ألمانيا، وهم الذين "خدموا" القوات العسكرية والمدنية التي أرسلتها برلين، للمشاركة في حرب غزو واحتلال أفغانستان مع الجيش الأميركي (2001). ويتكرر في هذه "القصة" النمط الإنتهازي للأحزاب الأوروبية الحاكمة، حيث يسحق زعماؤها السياسيون الكتل والفئات الإجتماعية الضعيفة، لإخلاء سلم السلطة أمامهم.
ملف داخلي ضحاياه من الخارج
بثّ التلفزيون الألماني تقريراً يروي "قصة" هؤلاء الأفغان، وقد حرص فيه على حماية سمعة حكومة ميرتس بدلاً من تبيان مسؤوليتها عن شقائهم. إذ يبدأ التقرير بلوم "سلطات باكستان" التي "كثفت عمليات ترحيل نحو 700 ألف أفغاني كانوا قد فروا إليها عقب عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021"، واندحار الجيش الأميركي من أفغانستان. وهذا "الخروج عن الموضوع" يحمل المشاهد على الظن بأن الباكستانيين هم سبب معاناة اللاجئين وحرمانهم من البقاء في بلادهم.
لكن "القصة" الحقيقية مختلفة. لأن معاناة هؤلاء الأفغان نجمت عن تبدل الأوضاع الداخلية الألمانية، وتحديداً وضع السلطة. فقد انهارت حكومة "يسار الوسط" التي ترأسها المستشار أولاف شولتس والمؤلفة من تحالف الحزب الإشتراكي الديموقراطي وحزب الخضر، بنتيجة الإنتخابات العامة التي جرت في شباط عام 2025. وآلت سلطة الحكم إلى تحالف الحزب المسيحي الديمقراطي، بزعامة فريدريش ميرتس، مع الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الذي يقوده ماركوس زودر. وهذا التغيير السياسي أفضى إلى تولي ميرتس منصب المستشارية.
بالتأكيد، كانت عودة طالبان إلى الحكم في كابول في عام 2021، السبب الأساسي في هروب الأفغان الذين "تعاملوا مع جيوش الإحتلال الأجنبي" إلى باكستان المجاورة. ولم يكن ذلك غريباً عن تاريخ الفئات والأشخاص الذين يصيروا "عملاء" للغزاة والمحتلين. ولذلك، قرر المستشار السابق شولتس أن يمنح بعض أولئك الهاربين، حق اللجوء إلى بلاده، نظير "الخدمات" التي قدموها إلى الجيش والمؤسسات والمنظمات الألمانية، التي شاركت جيوش الأميركيين في غزو واحتلال أفغانستان.
وقد نشرت صحيفة The Guardian البريطانية تقريراً مفصلاً عن مبادرة حكومة أولاف شولتس، يومذاك، إلى إطلاق برامج لتقديم اللجوء إلى ألمانيا، لـ"الأشخاص المعرضين للخطر بشكل خاص"، بما في ذلك "الموظفين المحليين الذين عملوا لصالح الجيش الألماني أو الوزارات الحكومية"، بالإضافة إلى "ناشطي حقوق الإنسان والصحفيين" الذين "تعاملوا" مع جيوش الإحتلال الغربي. وينقل التقرير عن البيانات الرسمية أنها وثقت إعادة توطين حوالي "4000 موظف محلي" أفغاني مع 15000 من أفراد عائلاتهم في ألمانيا، حتى شهر نيسان/ أبريل 2025.
بعد شهر واحد على تولي المستشار الجديد ميرتس مهام منصبه، أي في أيار/ مايو 2025، بدأت الحكومة الحالية التي شكلها، بتحرك كبير لإنهاء السياسة السابقة. واندفع وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت، إلى اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية أشد صرامة لمنع وصول بقية الأفغان إلى اراضي بلاده.
وينقل التقرير البريطاني عن الوزير دوبريندت، أن الأفغان الهاربين الذين لديهم وعد "ملزم قانوناً" هم دون سواهم، من يجب أن يظلوا مؤهلين لإعادة التوطين في ألمانيا. وقالت وزارة الداخلية إن هذا سيشمل 90 فقط من أصل 220 "موظفاً محلياً" لا يزالون ينتظرون الإجلاء من باكستان. أما البقية فقد عرضت عليهم أموال حكومية لكي يتنازلوا عن حقهم في إعادة التوطين الذي منحتهم إياه حكومة شولتس السابقة. بيد أنه لم يرض بالعرض سوى 62 شخصاً، بحسب بيان هذه الوزارة. أما المنظمات غير الحكومية فتقول إن نحو 1800 أفغاني عالقون في باكستان، رغم موافقة برلين على نقلهم إلى اراضيها.
بين "سأم الألمان" والمصالح الحزبية
أتى نجاح الرجعيين المسيحيين في الإمساك بدفة الحكم في ألمانيا، من ضمن صعود الأحزاب اليمينية في عموم الغرب، الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا والإتحاد الأوروبي، وهي الأحزاب التي تؤلف التيار السياسي المسكون بكراهية المهاجرين الأجانب. ومن بينهم، طبعاً، اللاجئين الأفغان الذين وعدوا بدخول "جنة عدن" الألمانية.
وليس عبثاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعرب عن سروره بفوز حزبي التحالف المسيحي بكرسي المستشارية، وعلّق قائلاً : "إنه يوم عظيم لألمانيا والولايات المتحدة الأميركية". لكنه استطرد بالقول : أنه "كما هي الحال في الولايات المتحدة، سئم الشعب الألماني من الأجندة غير المنطقية [للحكومة السابقة]، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا الطاقة والهجرة". وبقدر ما عبّر كلام ترامب عن قوة صعود اليمين، فإنه كان أشبه بتوجيه للتحالف الفائز بشأن البرنامج السياسي الداخلي، وتحديداً في شأن المهاجرين الأجانب.
وحتى من دون توجيه الرئيس الأميركي لها، فإن حكومة المستشار الجديد ميرتس التي تتنافس مع حزب البديل من أجل ألمانيا، كانت مستعجلة إلى انتزاع ورقة الهجرة الأجنبية من هذا الحزب القومي الصاعد، نظراً لأهميتها في الصراع السياسي ـ الحزبي الذي يتوقع أن يستعر بينهما في المرحلة المقبلة.
فنتائج الإنتخابات برهنت أن الصراع على السلطة بات محصور، فعلياً، بين التحالف المسيحي الذي يقوده ميرتس الذي حصل على 28,6 بالمئة، وبين حزب البديل من أجل ألمانيا الذي استحوذ منفرداً على 20,8 بالمئة من أصوات الناخبين الألمان. فيما فشل تحالف شولتس بتخطي نسبة 16,4 بالمئة من الأصوات. وهذا الإنقلاب الفادح في الخريطة السياسية ـ الإنتخابية الألمانية، كان وبالاً على عموم المهاجرين الأجانب.
لقد اعترف المتحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية بأن "الأشخاص [الأفغان الهاربين من حكومة بلدهم إلى باكستان] الذين ينتظرون الإجلاء [من هناك]، سيتلقون إخطاراً من ألمانيا في الأيام المقبلة يفيد بأنه "لم يعد هناك أي اهتمام سياسي بقبولهم". ومن المفترض أن يكونوا قد أخطروا بذلك.
إذن، ليس سأم الألمان، كما قال ترامب، بل المصالح السياسية الحزبية والعامة. وهذا "السبب السياسي" كان موجوداً لدى الحكومة السابقة أيضاً. وبمعزل عن ثرثرة قادة المنظمات غير الحكومية الألمانية عن "الخيانة، والإفلاس الأخلاقي" لحكومة ميرتس، نجد أن كارل كوب، رئيس منظمة "برو أزيل" (Pro Asyl)، يؤكد إن "الحكومة السابقة وعدت باستقبال هؤلاء الأشخاص [الأفغان الهاربين] لسبب واحد فقط، وهو أنهم ناضلوا من أجل حقوق المرأة وحقوق الإنسان والحرية في أفغانستان". ثم يصدق مزاعمه السياسية، فيقول : لقد "أصبحوا الآن [أي بعد خروج جيوش الإحتلال الغربي من بلادهم] في خطر شديد ومعرضين للوقوع في أيدي نظام طالبان الإسلامي".
إن قوانين الهجرة الأجنبية وأوضاع المهاجرين واللاجئين الأجانب في ألمانيا والتشدد معهم، قد غدت القضية السياسية الأولى لكل من المسيحيين والقوميين. وتباشر حكومة ميرتس منذ تشكيلها إغلاق الباب أمامهم، حتى صار كره الأجانب جزءاً ظاهراً من الهوية الإجتماعية ـ الحزبية، وعاملاً هاماً في تشكيل السياسة الداخلية للأحزاب الحاكمة. وبالطبع، فإن تحالف ميرتس المسيحي، يركز الكراهية على الآسيويين والأفارقة، خصوصاً العرب والأتراك، بينما يستمر في تدليل اللاجئين من أوكرانيا، وكذلك اليهود الصهاينة الذين يتدفقون إلى ألمانيا من "إسرائيل".
إن فقدان حكومة برلين لـ"الإهتمام السياسي" بمصير العملاء، الذي "خدموا" في صفوف القوات الألمانية التي كانت تشارك باحتلال أفغانستان، يعود في جانب منه إلى اندحار الإحتلال، كما قلنا، عن هذا البلد المسلم، بفضل مقاومة حركة طالبان له. وهذه الحقائق التاريخية لا تنفيها أي خلافات سابقة أو راهنة مع السياسة الطالبانية. لقد خسرت ألمانيا ايام العز الإقتصادي، التي كانت تستلزم اتباع سياسة مرنة مع المهاجرين واللاجئين. لكي يتشجعوا على الإستقرار في المانيا والمشاركة في تعزيز اقتصادها.
وتنقل صحيفة The Guardian عن مراسل الشؤون العسكرية "توماس ويغولد" (Thomas Wiegold) خشيته من أن يكون لهذا التحول الألماني المفاجئ في قضايا الهجرة واللجوء عواقب طويلة الأمد، على أي مهام مستقبلية [للجيش الألماني] في الخارج، وكتب عبر منصة "بلوسكاي" (Bluesky): "لا يسع الجنود الألمان إلا أن يأملوا بشدة ألا يعتمدوا أبداً، أبداً، أبداً مرة أخرى على الدعم المحلي في أي مكان".
لقد حل التدهور الإجتماعي ـ الإقتصادي في الإتحاد الأوروبي وفي قلبه ألمانيا، ليصبح السبب الأساسي لاحتدام النزاع السياسي بين أحزابها في قضايا متعددة منها قضية الهجرة واللجوء. والولايات المتحدة الأميركية ليست استثناء من هذا التدهور. في السنة 2024 كان هناك 14 مليون شخص مصنفين في عداد الفقراء في ألمانيا. وفي هذه الآفاق الإجتماعية القاتمة، ننتظر أن تزيد أحزاب اليمين الألماني من الضغوط على كتلة المهاجرين واللاجئين في البلاد، لتضليل الجمهور عن الأسباب السياسية الحقيقة لهذا التدهور. أما الأفغان العالقين في باكستان فلسوف يعودون إلى بلادهم أو يبحثون عن معابر غير شرعية تقودهم إلى الإتحاد الأوروبي ومنه إلى ... ألمانيا.
مركز الحقول للدراسات والنشر
الجمعة، 19 شعبان، 1447 الموافق 06 شباط، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً