"إتفاق الإطار" : لبنان في خدمة "إسرائيل الثانية"؟
إن الفارق في اختلاف الظروف الدولية بين إنشاء "إسرائيل الأولى" و"إسرائيل الثانية"، هو نفس الفارق بين صعود الغرب على سلم القوة العالمية وتراجعه حالياً
إن الفارق في اختلاف الظروف الدولية بين إنشاء "إسرائيل الأولى" و"إسرائيل الثانية"، هو نفس الفارق بين صعود الغرب على سلم القوة العالمية وتراجعه حالياً
نشرت بوليتيكا ـ بيروت : أصحاب "اتفاق الإطار" مع إسرائيل واقعون في حيرة. كل أساليب "التسويق" التي اتبعوها لم تطمئن جموع المواطنين إلى مضمونه وأهدافه ونتائجه. والقلق العام الذي ولده "الإتفاق" هو، ولا شك، فشل وطني كبير للعهد وللحكومة. لأن مسار المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي يهدد بإفلات ديناميكية الإنقسام والتقسيم بين اللبنانيين، ويعيد أرق الحرب الأهلية إلى مضاجعهم.
يكمن أساس الفشل في "إيمان" الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام بالولايات المتحدة الأميركية. هذه ليست صفة شخصية تخصهما. فـ"الإيمان" بالسلطان الأميركي، هو سلوك اجتماعي ـ سياسي، يرى إلى "العالم" من منظور الهيمنة الإمبريالية عليه. وهذا السلوك منتشر في شتى البلدان التي يحكمها النظام الرأسمالي الغربي، حيث يتسبب بانقسام مجتمعي ووطني عميق فيها.
أما "الزجل السياسي" الذي يُنْظَمْ لمحو هذه الحقائق، فإنه "ضحك على ذقون" المواطنين. لأن الخبرة السياسية الوطنية من قبل وأثناء وبعد إنشاء "إسرائيل" (1948 ـ 2026)، أحصت "جهود" قادة المشروع الصهيوني لمنع قيام الدولة الوطنية في لبنان والدول العربية. وتبدأ من الإتفاقات السرية بين سياسيين وكنسيين ومتمولين لبنانيين والحركة الصهيونية إلى اتفاق 17 أيار 1983.
إن "اتفاق الإطار" الذي وقعته حكومة لبنان مع "إسرائيل" في أميركا، ليس إنجازاً سياسياً للرئيس جوزاف عون ولا للرئيس نواف سلام، الذي تتهمه بعض الأوساط السياسية بأنه صار "مساعداً" لرئيس الجمهورية. إن "الإتفاق" هو إجراء سياسي ـ حربي صنع في واشنطن وتل ابيب، بقصد "حسم" الإنقسام الدولتي بين مؤيدي الدولة الوطنية ومؤيدي الدولة الطائفية، بإلحاق الهزيمة بالوطنيين.
وتوقيع موظفين من "خامة" سيمون كرم وندى أبو شهلا هو "باب للتهرب" من المسؤولية القانونية والدستورية والسياسية عن هذا المسار الإنقسامي. وقد لاحظنا أنه بين الوطنيين وهم دولتيون، وبين الطائفيين وهم سلطويون، جاء "النقاش الدستوري" في حقوق الرئاسة الأولى بالمفاوضة، ليطمس القضية السياسية الرئيسية وهي إعلان هوية لبنان العربية في دستور اتفاق الطائف عام 1989.
لم يكن لذلك الإعلان الوطني إلا معنى وحيد، وهو تثبيت دور لبنان المقاوم للمشروع الصهيوني في لبنان والإقليم والعالم. لقد مضى حين من الدهر على ذلك الإنجاز التاريخي، الذي كان من أبرز الإصلاحات السياسية التي ولّدت الدستور اللبناني الجديد. ونكاد نجزم بأنه لولا ذلك الإنجاز، لما انتهت الحرب الأهلية الكبرى (1975 ـ 1989) ولما استرد اللبنانيون وحدة المجتمع ووحدة الدولة.
اليوم، يرفض الطائفيون، من جماعات اليمين القديم والجديد في لبنان، الإقرار بتهافت النظام الرأسمالي الغربي. كما ينكرون تراجع قوة الولايات المتحدة الأميركية، في صيانة الهيمنة الدولية لهذا النظام واستمراره. والحق، فقد كان طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول / أوكتوبر 2023، من أكبر الشواهد على تراجع القوة العالمية لأميركا. لأن "إسرائيل الأولى" (1948 ـ 2023) كانت رمزاً عالمياً لتفوق تلك القوة وهيمنتها.
ويتطير الطائفيون، الذين يسوقون الآن، "اتفاق الإطار" من هذه الحقائق. يسدون آذانهم إذا قيل لهم أن يوم الطوفان وأيام حرب الإسناد، قد أزالت "إسرائيل الأولى" وبرهنت "أنها أوهن من بيت العنكبوت"، فعلاً. لقد حضر الغرب الرأسمالي "بقضه وقضيضه" إلى فلسطين المحتلة، يومذاك، ليرمم "البيت" الصهيوني وليعيد إنعاش المشروع الصهيوني. ولكم أن تراجعوا في ذلك، وقائع "حرب الألف يوم" الإسرائيلية ـ الأميركية ... المستمرة.
إن قراءة بنود "اتفاق الإطار" والملحق الأمني، ومحاضر جلسات التفاوض المباشر، تقطع الشك بأن ما كتب في دهاليز وزارة الخارجية الأميركية، ليس سوى صك استسلام لبناني. وما يردده المسؤولون عن "الرعاية" أو "الوساطة" الأميركية، تعارضه الحقائق. فمنذ أن دلف العالم في المرحلة الإنتقالية من النظام الدولي الأحادي إلى النظام الدولي المتعدد الأقطاب، تحسنت قدرة الدول الضعيفة على "المناورة العالمية" وخف اعتمادها على تلك "الرعاية".
لقد سيق لبنان إلى طاولة المفاوضات المباشرة طلباً لـ"السلام" مع العدو الإسرائيلي، من دون نظر ثاقب من المسؤولين المعنيين إلى ديناميات التغيير والتفكيك المتسارعة في النظام الدولي الغربي. فأركان المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة والولايات المتحدة وأوروبا، يحاربون، راهناً، لإعادة إنشاء "إسرائيل الثانية" (2023 ـ ...)، بدلا من "إسرائيل الأولى"، وفق "مبدأ /Doctrine " أو "عقيدة السلام بالقوة".
إن قانون العنف التراكمي في الحرب الحديثة واضح المفاعيل. فالشدة في القتل والتدمير والتخريب، تحتمها نتائج الثورات أو الإنقلابات التكنوـ عسكرية، وآثارها على نظريات واستراتيجيات وتكتيكات وميادين هذه الحرب. ولبنان والدول العربية ليس استثناءً من هذه المفاعيل. وتتقبل هذه "العقيدة" الأميركية ـ الإسرائيلية، كل أشكال الهدن، كما تستبعد كل انواع التسوية مع لبنان وسائر قوى المقاومة النظامية وغير النظامية، إذا لم تستعد وضعية التفوق الشامل لـ"إسرائيل الثانية" على دول الإقليم كافة.
إن التفذلك الرسمي والسياسي بشأن "اتفاق الإطار" مع إسرائيل هو نكران لهذا الواقع الإقليمي ـ العالمي الناشئ. فالولايات المتحدة الأميركية تسعى منذ عشرات السنين، لفرض نظام للأمن الإقليمي يقوم على تفوق إسرائيل على الدول العربية ودول الجوار. ولكن النظام الدولي الإنتقالي، كما أشرنا، يعطي هذه الدول، ومن بينها لبنان، فرص الإعتراض على الإرادة الأميركية وبناء تحالفات إقليمية ودولية مناسبة لها.
والضغوط الأميركية والغربية على الكتلة المجتمعية ـ السياسية الوطنية وعلى الكتلة الدولتية الوطنية اللتين تعارضان "الإتفاق" وتحسبانه "كأنه لم يكن"، تجرش لبنان بين شقي الرحى. لأنها تتضافر مع الضغوط العسكرية الإسرائيلية على تينك الكتلتين، بغية إخضاعهما لحاجات التفوق الإقليمي لـ"إسرائيل الثانية".
وسط هذه الضغوط، كيف يمكن تصديق الطائفيين في جماعات اليمين، الذين يزعمون بأن نزع سلاح المقاومة وتغيير عقيدة الجيش، ليس انقلاباً على دستور الطائف، وأن مسار واشنطن لـ"السلام" في الخارج، مع العدو الإسرائيلي، لن يدمر السلم الوطني في الداخل. بل كيف نقبل بهذا المسار، أساساً، والجيش الإسرائيلي يحظى بمشاركة عملياتية مباشرة من الجيش الأميركي في قتل مواطنينا وتدمير بلادنا.
إن جوع "إسرائيل الثانية" إلى التفوق الشامل بات مزمناً، بعدما فقدت بعضه على أيدي تشكيلات المقاومة اللبنانية. ولذلك، يعتبر مسار واشنطن الذي انتج "اتفاق الإطار" مناورة خداع استراتيجي للبنان، لكي تتم تهدئة الجبهة الخارجية مع العدوان الإسرائيلي، ثم توتير الجبهة الداخلية بين المواطنين اللبنانيين. طبعاً، ليست الحرب الأهلية قدراً مقدوراً. لكن قادة اليمين زادوا من هذا التوتر بدعوة بعضهم، مؤخراً، إلى استخدام "قوة الدولة" من أجل فرض هذا "الإتفاق".
وفي الظروف الدولية الراهنة، فإن هذه الدعوة اليمينية إلى إعادة تعريف عقيدة الجيش الوطني اللبناني ودوره في الداخل والخارج، لتؤكد أن "اتفاق الإطار" نصّاً وتنفيذاً، مدمر للسيادة الوطنية. ويكفي أن نرى كيف تجبر بنوده السلطة التنفيذية على تسليم مفاتيح الأمن الوطني للجيش الأميركي، وعلى ترك أمن المواطنين اللبنانيين في قبضة الجيش الإسرائيلي، خصوصاً في جنوب الوطن.
وكما نعلم فإن العقيدة الوطنية للجيش التي تعادي الإحتلال الإسرائيلي وتبيح للمواطنين مقاومته، هي جزء من هوية لبنان، بحسب نص دستور 1989. وخلال المرحلة الماضية، رأينا كيف "تعايشت" عناصر الدولة الوطنية والدولة الطائفية في إطار الممارسات الدستورية والسياسية. والجيش، بسبب العقيدة الوطنية التي أنشئ عليها بعد الطائف، كان ولم يزل أحد عناصر الدولة الوطنية في بلدنا.
ويقع على عاتق المواطنين مهمة حماية هذه العقيدة وأن يقاوموا الإنقلاب على الدستور بكل الوسائل السياسية الدستورية، حتى يفرضوا إرادتهم الوطنية. ولكي يغدو "اتفاق الإطار" ومعه كل مسار واشنطن و"كأنه لم يكن". إن الفارق في اختلاف الظروف الدولية بين إنشاء "إسرائيل الأولى" و"إسرائيل الثانية"، هو نفس الفارق بين صعود الغرب على سلم القوة العالمية وتراجعه حالياً.
إن الحرب المزمنة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على لبنان، هي سبب ونتيجة لهذا التحول الإقليمي ـ العالمي في موازين القوى. ولذلك، تصبح الوحدة الوطنية بين اللبنانيين، شرطاً ضرورياً لوقف انزلاق السلطة التنفيذية نحو طريق الدمار السيادي للكيان اللبناني. لقد سمعنا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يهدد مواطنينا بـ"التدخل السوري". وهذا التهديد الذي أحبطته حسابات النظام السوري الإنتقالي، هو من صلب مسار واشنطن و"اتفاق الإطار" الذي يقوض السيادة والأمن في لبنان.
لقد وفر الغزو الإسرائيلي في عام 1982 الظروف المثلى لإقامة نظام الديكاتورية الطائفية، الذي استسلم أمام الغزاة بتوقيع اتفاق 17 أيار عام 1983. لكن اللبنانيين قاوموا الغزاة، آنذاك، وتصدوا لأعوانهم المحليين حتى تطهرت حياتهم السياسية من آثاره. وبعد اربعة عقود ونيف، يأتينا بعض اركان السلطة السياسية بـ"اتفاق الإطار" مع إسرائيل، كنسخة مجددة من اتفاق 1983.
فالمسؤولين في السلطة التنفيذية لا يصغِون إلا للأميركيين ولا يطيقون الحوار الوطني بشأن كيفية إنهاء الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان. وهذا الإمعان في الخضوع العبودي للقوة الأميركية، يمنعهم من الإعتراف بتراجعها والتفكير بكيفية الإستفادة من هذا التراجع.
على كل حال ما يسعف لبنان اليوم، ليس تحرير الطائفيين اليمينيين من "الوعي المحلي" الذي يملأ أذهانهم، وإنما استلهام نص الدستور عن هوية لبنان ومقاومة الإحتلال، في العمل السياسي لتعطيل ديناميكية الإنقسام والتقسيم بين اللبنانيين. وفي أساس هذا العمل والشرط الأول لتنفيذه، هو تعزيز الوعي الوطني وتنميته بين مختلف أجيال المواطنين حتى يحصنهم ويوحدهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي وحلفائه.
ينشر في بوليتيكا، العدد 19 تموز، 2026، نقلاً عن مرصد الحرية والسيادة
مركز الحقول للدراسات والنشر
الأربعاء، 15 تموز، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً