2026-07-20
Alhoukoul

"كش ملك" في إيران : طهران تغير أقدار واشنطن؟!

كاغان : يؤدي الوضع الجديد في مضيق هرمز إلى تحول كبير في موازين القوى والنفوذ إقليمياً وعالمياً

18-05-2026

كتب محرر الحقول / خاص الحقول ـ الوطن العربي : يرسم مقال روبرت كاغان الذي نشره في The Atlantic اتجاهاً واقعياً جديداً في تفكير النخب الأميركية في شؤون السياسة الخارجية، لا سيما الحرب. فهذا المؤرخ، يكتب بصراحة، أن الولايات المتحدة هزمت في الحرب التي شنتها مع إسرائيل على إيران يوم 28 شباط / فيراير 2026، وأن هذه الهزيمة، نتجت عن صمود إيران وفشل أميركا وإسرائيل بفرض الإستسلام عليها. بل إنه يؤكد أن الحكومة الأميركية لا تملك، أصلاً، القدرة على ذلك. ومن المفترض أن لهذا الإتجاه الفكري تأثير سياسي قوي على إدارة الرئيس دوالد ترامب. لماذا. أولاً، لأن كاغان هو أيديولوجي/ idéologue بارز في تيار المحافظين الجدد الرجعيين. ثانياً، لأنه كان من أركان حزب الحرب في النخبة الأميركية، ثالثاً، لأنه كان "مصدر إلهام" فيكتوريا نولاند، زوجته، مساعدة وزير الخارجية الأميركي، التي "تخصصت بالتنبؤ"" بهزيمة روسيا في أوكرانيا منذ عام 2022. ولذلك، نلمح في المقال، الذي حمل عنوان صارماً: "كش ملك في إيران : لا تستطيع واشنطن قلب اتجاه هذه الحرب أو السيطرة على تبعات خسارتها لها"، محاولة من كاغان الواقعي الجديد أن يصحح كاغان الأيديولوجي. هنا نص المقال :

"من الصعب التفكير في لحظة تعرّضت فيها الولايات المتحدة لهزيمة كاملة في نزاع ما، انتكاسة حاسمة إلى درجة أن الخسارة الاستراتيجية لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. فالخسائر الكارثية التي مُنيت بها في بيرل هاربر، والفلبين، وعبر غرب المحيط الهادئ في الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية، جرى عكسها لاحقاً. أما الهزائم في فيتنام وأفغانستان، فكانت مكلفة، لكنها لم تُلحق ضرراً دائماً بالموقع الأمريكي العام في العالم، لأنها كانت بعيدة عن الساحات الرئيسية للمنافسة العالمية. وحتى الفشل الأولي في العراق، جرى احتواؤه عبر تغيير في الاستراتيجية، انتهى إلى إبقاء العراق مستقراً نسبياً وغير مهدِّد لجيرانه، مع استمرار الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

أما الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران، فستكون ذات طبيعة مختلفة تماماً. فهي لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. لن يكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولا انتصار أمريكي نهائي يمحو أو يتجاوز الأضرار التي وقعت. مضيق هرمز لن يكون "مفتوحاً" كما كان في السابق. فمع السيطرة على المضيق، تبرز إيران باعتبارها اللاعب الأساسي في المنطقة، وأحد اللاعبين الأساسيين في العالم. كما تتعزز أدوار الصين وروسيا، بوصفهما حليفين لإيران، فيما يتراجع دور الولايات المتحدة بصورة كبيرة. وبدلاً من إظهار القوة الأمريكية، كما ادّعى مؤيدو الحرب مراراً، كشفت المواجهة عن أمريكا غير موثوقة وغير قادرة على إنهاء ما بدأته. وهذا سيطلق سلسلة من التفاعلات حول العالم، مع إعادة الأصدقاء والخصوم حساباتهم بناءً على الفشل الأمريكي.

يحب الرئيس دونالد ترامب الحديث عمّن "يمتلك الأوراق"، لكن ليس واضحاً ما إذا كان لا يزال يملك أوراقاً جيدة للعب بها. فقد أمطرت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بالقصف المدمّر على مدى 37 يوماً، وقتلت جزءاً كبيراً من قيادة البلاد، ودمّرت معظم جيشها، لكنها لم تتمكن من إسقاط النظام أو انتزاع حتى أصغر تنازل منه. والآن، تأمل إدارة ترامب أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة العسكرية الهائلة. وهذا ممكن نظرياً، لكن نظاماً لم يُركع خلال خمسة أسابيع من الهجوم العسكري المتواصل، من غير المرجح أن ينهار تحت الضغط الاقتصادي وحده. كما أنه لا يخشى غضب شعبه. وكما أشارت الباحثة في الشأن الإيراني سوزان مالوني مؤخراً: "النظام الذي ذبح مواطنيه لإسكات الاحتجاجات في كانون الثاني/يناير، مستعد تماماً لفرض المصاعب الاقتصادية عليهم الآن".

لذلك، يدعو بعض مؤيدي الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يستطيعون تفسير كيف ستنجح جولة جديدة من القصف فيما فشلت فيه 37 يوماً من القصف. وأي تصعيد عسكري إضافي سيدفع إيران حتماً إلى الرد على دول الخليج المجاورة، ولا يملك دعاة الحرب جواباً على ذلك أيضاً. لقد أوقف ترامب الهجمات على إيران ليس لأنه شعر بالملل، بل لأن إيران كانت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية في المنطقة. وجاءت نقطة التحول في 18 آذار/مارس، عندما قصفت إسرائيل حقل "بارس الجنوبي" الإيراني للغاز، فردّت إيران بمهاجمة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، وهي أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم، متسببة بأضرار في القدرة الإنتاجية قد يستغرق إصلاحها سنوات. وردّ ترامب بإعلان وقف للهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم إعلان وقف إطلاق النار، رغم أن إيران لم تقدم أي تنازل.

إن حسابات المخاطر التي دفعت ترامب إلى التراجع قبل شهر ما تزال قائمة. وحتى لو نفّذ تهديده بتدمير "الحضارة" الإيرانية عبر المزيد من القصف، فستظل إيران قادرة على إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل سقوط نظامها، إذا سقط أصلاً. وبضع ضربات ناجحة فقط قد تشلّ البنية التحتية النفطية والغازية في المنطقة لسنوات، وربما لعقود، ما سيدفع العالم، والولايات المتحدة نفسها، إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد. وحتى لو أراد ترامب قصف إيران كجزء من استراتيجية خروج، أي الظهور بمظهر القوي لإخفاء تراجعه، فإنه لا يستطيع فعل ذلك من دون المخاطرة بهذه الكارثة.

إذا لم يكن هذا "كش ملك"، فهو قريب جداً منها. ففي الأيام الأخيرة، طُلب من مجتمع الاستخبارات الأمريكي، بحسب التقارير، تقييم تداعيات الاكتفاء بإعلان النصر والانسحاب. ولا يمكن لوم ترامب على ذلك. فالتعويل على انهيار النظام ليس استراتيجية حقيقية، خاصة أن النظام صمد بالفعل أمام ضربات عسكرية واقتصادية متكررة. قد يسقط غداً، أو بعد ستة أشهر، أو قد لا يسقط أبداً. لكن ترامب لا يملك كل هذا الوقت، في ظل ارتفاع أسعار النفط نحو 150 أو حتى 200 دولار للبرميل، وتصاعد التضخم، وبدء أزمات الغذاء والسلع عالمياً. إنه يحتاج إلى حل أسرع.

لكن أي حل غير الاستسلام الإيراني الفعلي ينطوي على مخاطر هائلة، لم يُبدِ ترامب حتى الآن استعداداً لتحمّلها. فالذين يطالبون ترامب بخفة بـ"إنهاء المهمة"، نادراً ما يعترفون بالكلفة. وما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام الإيراني الحالي، ثم احتلال إيران إلى أن تتمكن حكومة جديدة من ترسيخ نفسها؛ وما لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة سفنها الحربية التي ترافق ناقلات النفط عبر مضيق متنازع عليه؛ وما لم تكن مستعدة لقبول الأضرار المدمرة طويلة الأمد التي ستلحق بالقدرات الإنتاجية في المنطقة نتيجة الرد الإيراني؛ فإن الانسحاب الآن قد يبدو الخيار الأقل سوءاً. ومن الناحية السياسية، قد يشعر ترامب أن فرصته في النجاة من الهزيمة أفضل من فرصته في النجاة من حرب أكبر وأطول وأكثر كلفة، قد تنتهي أيضاً بالفشل.

لذلك، فإن هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة فقط، بل مرجحة. وهذا ما تبدو عليه الهزيمة: تبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. فالافتراض الشائع بأن المضيق سيُعاد فتحه بطريقة أو بأخرى بعد انتهاء الأزمة، لا يستند إلى أساس واقعي. إيران لا مصلحة لها في العودة إلى الوضع السابق. يتحدث البعض عن انقسام بين المتشددين والمعتدلين في طهران، لكن حتى المعتدلين يدركون أن إيران لا تستطيع التخلي عن المضيق مهما بدا الاتفاق مغرياً. فمن جهة، ما مدى موثوقية أي اتفاق مع ترامب؟ لقد كاد يتفاخر بتكرار الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر، عندما وافق على قتل القيادة الإيرانية خلال المفاوضات. والإيرانيون لا يستطيعون التأكد من أن ترامب لن يقرر مهاجمتهم مجدداً بعد أشهر قليلة من أي اتفاق. كما أنهم يعلمون أن الإسرائيليين قد يهاجمون مرة أخرى، لأنهم لا يشعرون عادة بأي قيود عندما يرون أن مصالحهم مهددة.

ومصالح إسرائيل ستكون مهددة بالفعل. وكما أشار كثير من خبراء إيران، فإن النظام في طهران مرشح للخروج من الأزمة أقوى مما كان قبل الحرب، بعدما احتفظ ليس فقط بإمكاناته النووية المحتملة، بل اكتسب أيضاً سلاحاً أكثر فعالية: القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمية رهينة. فعندما يتحدث الإيرانيون عن "إعادة فتح" المضيق، فهم يقصدون إبقاءه تحت سيطرتهم. وستكون إيران قادرة ليس فقط على فرض رسوم عبور، بل أيضاً على حصر المرور بالدول التي تربطها بها علاقات جيدة. وإذا تصرفت دولة ما بطريقة لا تعجب القيادة الإيرانية، فستتمكن طهران من معاقبتها بمجرد إبطاء، أو حتى التهديد بإبطاء، حركة سفنها التجارية عبر المضيق.

إن القدرة على إغلاق المضيق أو التحكم بحركة السفن فيه، أعظم وأكثر مباشرة من القوة النظرية للبرنامج النووي الإيراني. وهذه الورقة ستسمح لقادة طهران بفرض رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، أو مواجهة العقوبات المقابلة. أما إسرائيل، فستجد نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، فيما تصبح إيران أغنى، وتعيد تسليح نفسها، وتحافظ على خياراتها النووية للمستقبل. بل قد تجد إسرائيل نفسها عاجزة حتى عن مهاجمة حلفاء إيران، إذ في عالم تمتلك فيه طهران تأثيراً على إمدادات الطاقة للعديد من الدول، قد تواجه إسرائيل ضغوطاً دولية هائلة لعدم استفزاز إيران في لبنان أو غزة أو أي مكان آخر.

كما سيؤدي الوضع الجديد في المضيق إلى تحول كبير في موازين القوى والنفوذ إقليمياً وعالمياً. ففي المنطقة، ستثبت الولايات المتحدة أنها "نمر من ورق"، ما سيدفع دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى التكيّف مع إيران. وكما كتب الباحثان رويل غريشت وراي تقية مؤخراً: "اقتصادات الخليج العربي بُنيت تحت مظلة الهيمنة الأمريكية. وإذا أُزيلت تلك المظلة، ومعها حرية الملاحة، فإن دول الخليج ستجد نفسها مضطرة للتوسل إلى طهران" من أجل أمنها.

ولن تكون تلك الدول وحدها. فجميع الدول التي تعتمد على الطاقة من الخليج العربي ستضطر إلى ترتيب علاقاتها الخاصة مع إيران. وإلا فما الخيار الآخر؟ إذا كانت الولايات المتحدة، بأسطولها البحري الهائل، غير قادرة أو غير راغبة في فتح المضيق، فلن تتمكن أي قوة أخرى تمتلك جزءاً بسيطاً من القدرات الأمريكية من فعل ذلك. أما المبادرة البريطانية - الفرنسية لحماية المضيق بعد وقف إطلاق النار، فهي أشبه بالمزحة. فقد أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا "التحالف" سيعمل فقط في ظروف سلمية داخل المضيق: أي أنه سيرافق السفن، ولكن فقط إذا لم تكن بحاجة إلى مرافقة. لكن مع سيطرة إيران، لن يكون المضيق آمناً مجدداً لفترة طويلة. وربما تمتلك الصين بعض النفوذ على طهران، لكنها أيضاً لا تستطيع فتح المضيق بالقوة وحدها.

ومن نتائج هذا التحول أيضاً احتمال اتساع سباق التسلح البحري بين القوى الكبرى. ففي الماضي، اعتمدت معظم دول العالم، بما فيها الصين، على الولايات المتحدة لمنع مثل هذه الأزمات أو التعامل معها. أما الآن، فإن الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على موارد الخليج تجد نفسها عاجزة أمام خسارة إمدادات الطاقة الضرورية لاستقرارها الاقتصادي والسياسي. والسؤال هو إلى متى يمكنها تحمّل ذلك قبل أن تبدأ ببناء أساطيلها الخاصة، كوسيلة لفرض النفوذ في عالم تتفكك فيه قواعد النظام والاستقرار؟

أما الهزيمة الأمريكية في الخليج، فستكون لها تداعيات عالمية أوسع أيضاً. فالعالم بأسره يرى الآن كيف أن بضعة أسابيع من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية كانت كافية لاستنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة، من دون وجود حل سريع. والأسئلة التي يثيرها ذلك حول جاهزية الولايات المتحدة لنزاعات كبرى أخرى، قد تدفع الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى التفكير في مهاجمة تايوان، أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تصعيد عدوانه ضد أوروبا. لكن، في الحد الأدنى، فإن حلفاء أمريكا في شرق آسيا وأوروبا باتوا يتساءلون عن قدرة الولايات المتحدة على الصمود في أي صراع مستقبلي.

إن التكيف العالمي مع عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية يتسارع. وما جرى في الخليج ليس سوى أول أكبر الضحايا لهذا التحول.

ترجمة وتحرير مركز الحقول للدراسات والنشر

الإثنين، 18 أيار/ مايو 2026

مصدر المقال : The Atlantic، بتاريخ الجمعة، 10 أيار/مايو 2026


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق