الغرب وأوهام الفضيلة
فون دير لاين هي من أوائل القادة الغربيين الذين زاروا إسرائيل عقب أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث وقفت إلى جانب القادة الإسرائيليين، مُعلنةً دعمها غير المشروط لهم
فون دير لاين هي من أوائل القادة الغربيين الذين زاروا إسرائيل عقب أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث وقفت إلى جانب القادة الإسرائيليين، مُعلنةً دعمها غير المشروط لهم
كتب الدكتور رمزي بارود، "جوردان تايمز"ـ عمان : لدى الرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، كامل الحق في ربط العلاقات الأوروبية مع أي دولة أو تكتل آخر باحترام حقوق الإنسان. وهذا، بالطبع، سيكون صحيحًا لو كانت تهتم حقاً بهذه القيم.
رداً على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 19 حزيران /يونيو الماضي، والتي تهدف إلى إنهاء حرب مدمرة، أعلنت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي لا ينوي رفع عقوباته عن طهران. كما ربطت بشدة، في حديثها يوم 15 حزيران / يونيو الماضي، قبيل قمة مجموعة السبع، أي انفراجة دبلوماسية بالتغييرات الداخلية في الجمهورية الإسلامية.
وقالت: "مبدأ العقوبات يعني أننا نحتاج إلى تغيير حقيقي على أرض الواقع، قبل أن نفكر في رفعها"، وأضافت: "طالما لم يكن هناك تغيير في السلوك [الإيراني]، فلا يمكن رفع العقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان".
إذا نُظر إلى الموقف الأوروبي بمعزل عمن سواه، فقد يبدو مبدئياً، بل وجديراً بالثناء. لكن في السياق الجيوبوليتيكي الأوسع، تكشف هذه التصريحات عن مستوى مذهل من النفاق.
في ذلك اليوم، نفسه، انكشفت ازدواجية الاتحاد الأوروبي ايضاً. فأثناء اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في لوكسمبورغ، رفضت أوروبا فعلياً اتخاذ موقف موحد بشأن فرض عقوبات تجارية على إسرائيل، على الرغم من استمرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والعنف الإستيطاني الجامح، والسياسات التوسعية في الضفة الغربية المحتلة.
وما كان لهذا النقاش الأوروبي أن يحصل، لولا الجهود الحثيثة التي بذلتها إسبانيا وأيرلندا. إذ حثتا الإتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً على تعليق اتفاقية الشراكة بينه وبين إسرائيل بسبب انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي. لكن هذه الجهود فشلت، لأن الاتحاد الأوروبي لا يزال منقسماً بشدة، ومقيداً بشرط الإجماع في السياسة الخارجية، ومعرقلاً مراراً من قبل الحكومات المؤيدة لإسرائيل.
وبينما تواصل حكومات أوروبا انخراطها مع إسرائيل، موفرةً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وائتلافه المتطرف شريان حياة سياسياً واقتصادياً هم في أمس الحاجة إليه، يتجه الرأي العام الأوروبي بشكل متزايد في الاتجاه المعاكس.
لقد بينت نتائج استطلاعات رأي حديثة في العديد من الدول، ارتفاعاً في المعارضة لحرب إسرائيل وإبادتها الجماعية في غزة، وكذلك، تزايداً في الدعم لحقوق الفلسطينيين. وقد عبرت التظاهرات الحاشدة، في مختلف أنحاء أوروبا، وحملات المقاطعة الاستهلاكية، والتعبئة الطلابية، وحملات سحب الاستثمارات، اتساع الفجوة بين الرأي العام والسياسة الرسمية في الإتحاد الأوروبي.
لكن يبدو أن هذا الواقع لا يمت بصلة إلى فون دير لاين، التي لا تزال منشغلة بسجلات حقوق الإنسان للدول التي تُصنف خصوماً للغرب. ولا ينبع هذا الاهتمام من التضامن مع الضحايا، بل من الرغبة في الحفاظ على نفوذ سياسي يُمكن استخدامه عند الحاجة وتجاهله عند الضرورة.
ثم كيف ننسى أن فون دير لاين هي من أوائل القادة الغربيين الذين زاروا إسرائيل عقب أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث وصلت إلى تل أبيب في 13 تشرين الأول / أكتوبر 2023. وهناك، وقفت إلى جانب القادة الإسرائيليين، مُعلنةً دعمها غير المشروط لهم، ومؤكدةً على أن "أوروبا تقف مع إسرائيل". وقد فعلت ذلك في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون في غزة يتعرضون بالفعل لهجوم عسكري مدمر سيودي بحياة عشرات الآلاف منهم.
على الرغم من أن خطاب فون در لاين، أصبح أكثر حذرًا بعض الشيء مع بدء المؤسسات القانونية الدولية التحقيق مع إسرائيل بتهم الإبادة الجماعية وملاحقة قادتها بقضايا جرائم الحرب، إلا أن توجهها السياسي الأساسي لم يتغير جوهرياً.
إن الاعتقاد بأن فون دير لاين قد أدركت فجأة أن حقوق الإنسان يجب أن تحتل مكانة مركزية في أي سياسة خارجية مسؤولة هو محض وهم. ويتجلى ذلك بوضوح في مدى ضبطها لنفسها، لفظًا وعملًا، مع اتساع رقعة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران لتتحول إلى كارثة إقليمية ما كان ينبغي السماح لها بالحدوث.
لا يهم فون دير لاين أيًا من ذلك، بالطبع، لأن هذه المعاناة الإنسانية الهائلة لا تتناسب مع أولوياتها الجيوبوليتيكية.
قد يميل البعض إلى الاستنتاج بأن بعض حقوق الإنسان، بالنسبة لفون دير لاين والعديد من القادة الغربيين، أهم من غيرها. إلا أن هذا التقييم يمنح موقفهم مصداقية مفرطة، لأنه يفترض أن حقوق الإنسان هي الأساس الفعلي للسياسة. في أغلب الأحيان، لا يتم التذرع بها إلا عندما يخدم ذلك مصالحهم السياسية.
حتى الكنيسة الكاثوليكية تبدو وكأنها تتجه نحو التخلي عن هذا الإطار الأخلاقي الانتقائي. فمنذ انتخابه في مايو/أيار 2025، أكد البابا ليو الرابع عشر مرارًا وتكرارًا على رؤية "السلام العادل" بدلًا من المبدأ التقليدي لـ"الحرب العادلة"، محذرًا من استخدام اللغة الأخلاقية والدينية لتبرير العدوان العسكري. وخلال عظته في أحد الشعانين مطلع عام 2026، شدد على أن "الله يرفض صلوات من يشنون الحرب"، في تحدٍ مباشر لتطبيع العنف من قبل القادة السياسيين.
لكن فون دير لاين لا تستطيع كبح جماح نفسها. لطالما كان توظيف حقوق الإنسان ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الغربية، على الرغم من الأدلة المتزايدة على ندرة تطبيق هذه الالتزامات بشكل متسق. وبهذا المعنى، تبدو أوروبا مفلسة بشكل متزايد، ليس فقط أخلاقياً، بل سياسياً أيضاً.
لقد جرت الحرب مع إيران، والاتفاق الأمريكي الإيراني اللاحق، والتحولات الجيوبوليتيكة الكبرى المحيطة بهما، إلى حد كبير دون مشاركة أوروبية فعّالة. وبعد أن اقتصر دور الاتحاد الأوروبي على دور المتفرج، أو المشجع أحياناً، لم يمارس سوى تأثير ضئيل على الأحداث، مما يؤكد تضاؤل أهميته في شؤون الشرق الأوسط والعالم.
وهذا يفسر جزئياً لجوء فون دير لاين إلى الخطاب المألوف حول حقوق الإنسان في إيران، بينما التزمت الصمت حيال الأعمال الإسرائيلية المدمرة في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها من دول المنطقة. ومع تقلص نفوذ أوروبا باستمرار، أصبح التظاهر الأخلاقي بديلاً عن الدبلوماسية الفعّالة.
هل سيستمر الاتحاد الأوروبي في مساره نحو التهميش المتزايد، أم سيُصغي أخيرًا لآراء مواطنيه، ويتصدى لإفلات إسرائيل من العقاب، وينتهج سياسة خارجية مستقلة حقًا عن واشنطن؟ قد يُحدد الجواب ما إذا كان بإمكان أوروبا استعادة مكانتها السياسية، أم ستواصل انحدارها نحو تراجع طويل الأمد.
رمزي بارود
ترجمة وتحرير
مركز الحقول للدراسات والنشر
8 آب، 2026
رمزي بارود صحفي وكاتب ورئيس تحرير صحيفة "ذا فلسطين كرونيكل". له ثمانية مؤلفات، أحدثها "قبل الطوفان" الصادر عن دار "سفن ستوريز برس". من مؤلفاته الأخرى: "رؤيتنا للتحرير"، و"كان والدي مناضلًا من أجل الحرية"، و"الأرض الأخيرة". بارود باحث أول غير مقيم في "مركز الإسلام والشؤون العالمية" (CIGA).
المصدر : موقع صحيفة جوردان تايمز، يوم 23 حزيران، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً