2026-10-21
Alhoukoul
مفهوم الأمن القومي «الجديد» في

مفهوم الأمن القومي «الجديد» في "إسرائيل"

التصور المفاهيمي وأسئلة للمناقشة


20-10-2026

محرر الحقول / بيروت : نشر المدير التنفيذي في "معهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي" الجنرال احتياط تامير هايمن مقالاً بعنوان: مفهوم الأمن القومي «الجديد»: التصور المفاهيمي وأسئلة للمناقشة. المقال الذي نشر بالإنكليزية على صفحة المعهد، يوم 12 تشرين الأول / أوكتوبر الجاري، أثار كاتبه مجموعة من الأسئلة حول تكوين المفاهيم الأمنية الجديدة في "إسرائيل"، في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى يوم 7 تشرين الأول /أكتوبر 2023.

انتشرت ترجمات حرفية وموجزة للمقال بالعربية، يمكن العودة إليها على شبكة إنترنت، لكننا اخترنا، لأسباب الخبرة والإحتراف والدقة، نشر ترجمة "مديرية الدراسات الاستراتيجية" في "المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق" في بيروت، التي وزعت يوم 19 تشرين الأول/ أوكتوبر 2026. فيما يلي ترجمة نص المقال :


مدخل

يقف مفهوم الأمن القومي "الإسرائيلي" عند نقطة تحوّل تتطلّب التوضيح. فمنذ 7 تشرين الأول/ أوكتوبر2023، أصبح واضحاً أن السياسة الأمنية "الإسرائيلية" تسترشد، عمليًا، بمفهوم أمني جديد، بدلًا من العقيدة الأمنية غير المكتوبة التي تبلورت على مدى عقود. (على الرغم من عيوبه، ساعد المفهوم السابق "إسرائيل" على أن تصبح قوة إقليمية مزدهرة. ولو جرى تطبيقه بصورة صحيحة، لربما كان من الممكن منع الإخفاق الهائل في 7 تشرين الأول/ أوكتوبر 2023، لكن تحديد ذلك هو من اختصاص لجنة تحقيق حكومية). ولم تجر صياغة هذا المفهوم الجديد رسميًا أو عرضه على الجمهور، كما لم يُحدَّد بصورة ملزمة داخل المؤسسة الدفاعية. ومع ذلك، فإن مبادئه توجّه، عملياً، عملية صنع القرار وتُملي مقاربة "إسرائيل" للأمن.

من المهم التمييز بين ثلاثة مفاهيم هرمية: «الهوية الوطنية»، و«المفهوم الأمني»، و«السياسة الأمنية». يستمد المفهوم الأمني سلطته من الهوية الوطنية للدولة، ودستورها (إن وُجد)، وتراثها التأسيسي. وهو إطار مفاهيمي مستقر نسبيًا، يُفترض ألّا يتغير من حكومة إلى أخرى. وتخضع سياسة الأمن القومي للمفهوم الأمني، وتشكل تطبيقه العملي، وفقًا للأيديولوجيا والاعتبارات السياسية لحكومة معينة. واستنادًا إلى هذا التسلسل الهرمي، فإن حدوث تغيير عميق في المفهوم الأمني، أي الحلقة الوسطى، يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية: فهو يدلّ على تحوّل أعمق في الهوية الوطنية للدولة في المستوى الأعلى، بينما يدفع السياسة الأمنية العملية في المستوى الأدنى. ولذلك، يستدعي مثل هذا التحوّل فحصاً نقدياً ومعمّقاً.

يوفر هذا المقال أساسًا للنقاش العام والمهني. ويتمثل هدفه في دراسة المفهوم الأمني من المنظورين العسكري والأمني، وكذلك الكشف عن تحوّل يُحتمل أن يكون أكثر جوهرية، وهو التغيير في الهوية الوطنية لـ"إسرائيل". ويسعى إلى إثارة التفكير ومعالجة مسألة من نكون بعد 7 تشرين الأول 2023. ولهذه الغاية، يكشف المبادئ التي تقوم عليها السياسة الأمنية الجديدة، ويطرح أسئلة تهدف إلى تحفيز النقاش المفاهيمي والأكاديمي بشأن دلالة التحوّل العميق الذي تعكسه هذه المبادئ.


مبادئ المفهوم «الجديد» الناشئ

يمكن استنتاج المبادئ [العشرة] التالية من السياسة الأمنية التي يجري تنفيذها حالياً (وهي تمثّل تفسيراً نظريًا ذاتيًا):

ـ أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية:

تتقدم الهوية اليهودية للدولة على نظام حكمها الديمقراطي. وتهدف هذه الأولوية إلى ضمان استمرار وجود "إسرائيل" دولة يهودية، حتى على حساب تقويض قيمها الديمقراطية. وتستند الهوية اليهودية للدولة إلى أسس إثنية ودينية وقومية، ويجري الحفاظ عليها من خلال استلهام الروح والتقاليد اليهودية. ويُعلي هذا المبدأ ضرورة الحفاظ على أولوية الهوية اليهودية على الهويات القومية الأخرى (مثل الهوية العربية الإسلامية أو المسيحية).

ـ السلام بوصفه وسيلة بدلًا من غاية:

يتمثل الافتراض الأساسي في أي ترتيب مع أطراف عربية هو ترتيب مؤقت وخادع. ولذلك، فإن السعي إلى السلام سيكرر خطأ «الكونسبتسيا»، أي الإطار المفاهيمي السائد الذي يُعدّ سببًا رئيسيًا لكارثة 7 تشرين الأول/أوكتوبر. فمن المتعذر التوصل إلى اتفاق سلام ذي مغزى في الشرق الأوسط، لأن اتفاقيات السلام ليست سوى ترتيبات تقنية ومؤقتة تتطلب إعادة تقييم مستمرة. ووفقًا لهذا المنظور، فإن السلام ليس قيمة جوهرية تولّد الأمن، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى. ومن الناحية السياسية، يُنظر إلى «السلام» بوصفه مفهومًا ساذجًا يمثل «معسكر السلام» اليساري، الذي يقف في حالة توتر مع «الأمن»، الذي يمثل «معسكر الأمن» اليميني، أو في معارضة مباشرة له.

ـ رفض الوجود المستقل للدول العربية:

تتمثل الفرضية الأساسية في أن معظم الدول العربية ليست دولًا قومية حقيقية، وإنما تجمعات من القبائل والمجموعات الإثنية التي تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية. ونتيجة لذلك، يُنظر إلى تقويض استقرارها بوصفه عملية طبيعية، تستطيع "إسرائيل" إدارتها بفعالية أكبر مما تستطيع مواجهة دول قومية قوية، وهي عملية ينبغي لها حتى تشجيعها.


ـ الحرب بوصفها حالة تأسيسية:

تُعدّ الحرب ضرورية للأمن القومي، ولا يمكن استبدالها بحالة من السلام، الذي، كما ذُكر، ليس سوى وسيلة بدلًا من غاية. «الهدوء قذارة»، ولذلك فإن السعي إليه تعبير عن الضعف. ووفقًا لهذا المنظور، فإن اعتبار الحرب شرًا لا بد من تجنبه، إلى جانب السعي على مدى عقود إلى الترتيبات والسلام، يشكلان أساس الخطأ الذي قاد إلى 7 تشرين الأول/ أوكتوبر. فالحرب ضرورية، والحرب الوقائية هي الأفضل لأنها تضمن تحقيق إنجاز مهم منذ البداية. وقد تفاوتت حدّتها تبعًا للظروف، لكن حضورها الدائم يُعدّ رصيدًا للأمن القومي.

ـ الاعتماد على الذات وقطع التبعية للولايات المتحدة الأمريكية:

يستند الأمن القومي "الإسرائيلي" حصرًا إلى قدرات "إسرائيل" الذاتية، ولا يتطلب دعم قوة عظمى بعينها. وعلى الرغم من أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن المصالح وحدها هي التي تحرّكها. وعلاوة على ذلك، فإن الالتزام المفرط بالقيود التي تفرضها إدارة أمريكية على "إسرائيل" أمر خطير: فالولايات المتحدة "قوة آخذة في التراجع"، وبالنظر إلى تحولاتها الاجتماعية والسياسية المستمرة، فإنها ستتخلى قريبًا عن "إسرائيل" في جميع الأحوال. وتتعرض التبعية المفرطة للولايات المتحدة لـ"إسرائيل" لتأثير منظومة القيم الأمريكية التقدمية التي تتعارض مع طابع "إسرائيل" اليهودي. ولذلك، فإن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ليس أمرًا حتميًا فحسب، بل هو ضروري أيضًا لاستقلال "إسرائيل" ومتانة هويتها القومية اليهودية.

ـ الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على الدفاع:

يُنظر إلى الضربات الاستباقية والمفاجئة بوصفها السبيل الوحيد لتحقيق النصر، مما يمنح الهجوم أولوية على الدفاع. وإذا كانت "إسرائيل" عاجزة عن الصمود أمام هجوم مفاجئ أو ضمان إنذار مسبق موثوق، فإن الاستنتاج الوحيد هو أنها يجب أن تتبع سياسة استباقية قائمة على الضربات والحروب الوقائية.

ـ الدفاع المتقدّم:

في الحالات التي يتعذر فيها تنفيذ ضربة مضادة استباقية، أو عندما تكون هناك حاجة إلى وقت للتحضير لهجوم، يصبح إنشاء مناطق دفاع متقدّمة حيثما أمكن أمرًا بالغ الأهمية. وتوفّر هذه المناطق دفاعًا بالعمق في مواجهة جيوش الإرهاب، التي تزعزع استقرار الدول المضيفة لها وتُضعفها مقارنة بـ"إسرائيل". وتتيح هذه المساحات لـ"إسرائيل" نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن. ولا يوجد تناقض بين الدفاع المتقدّم والمبادرة الهجومية، إذ إنه يشكّل فعليًا هجومًا مؤجلًا يكون فيه الدفاع المتقدّم عنصرًا بنيويًا من عناصر الهجوم العتيد.

ـ استيعاب واقع الصراع "الإسرائيلي" ـ الفلسطيني بوصفه صراعًا "إسرائيليًا" ـ عربيًا دائمًا:

وفقًا لهذا المفهوم، فإن وجود حركة وطنية فلسطينية هو سردية غربية غير أصيلة، متجذّرة في الشعور بالذنب الذي أعقب الاستعمار. ويشكّل النضال الفلسطيني ضد "إسرائيل"، وتجدّد ظهوره دوريًا، محاولة أخرى عربية لمحاربة دولة "إسرائيل" وتدميرها. وعمليًا، يشكّل عمق الصراع مع الفلسطينيين وعدم اعترافهم بـ"إسرائيل" دولةً يهودية، أساسًا للرأي القائل باستحالة التوصل إلى أي حل. ويؤدي ذلك إلى معارضة مبدئية لأي فصل سياسي أو جغرافي أمني بين "إسرائيل" وكيان فلسطيني، وإقامة دولة فلسطينية. ووفقًا لهذا المنظور، سيتحقق الأمن من خلال توسيع الاستيطان في جميع أنحاء أراضي الدولة، داخل "الخط الأخضر" وخارجه على السواء (الذي يُنظر إليه بوصفه خطًا وهميًا). وسيُمنح السكان العرب في أرض "إسرائيل"، الذين يختارون البقاء في الدولة اليهودية، حقوق الإقامة والحكم الذاتي المحلي.

ـ الاستيطان والمدنيون بوصفهم عنصرًا مركزيًا من عناصر الأمن:

يمثّل ذلك عودة إلى المبادئ الأمنية لمرحلة «الييشوف» (الفترة السابقة لقيام الدولة، حين كان الأمن يتحقق من خلال الاستيطان على أراضٍ مشتراة بصورة قانونية، وكانت القوات الدفاعية لا مركزية وتعتمد على الدفاع المحلي الذي ينفّذه مدنيون منظّمون في تشكيلات شبه عسكرية تطوعية [الميليشيات السرية]). وبالمصطلحات المعاصرة، لا يُنظر إلى الأمن بوصفه مسؤولية حصرية للقوات الأمنية؛ إذ يشكّل المدنيون جزءًا من شبكة الدفاع. ويُرسّخ الدفاع من خلال إنشاء تجمعات سكانية وبؤر استيطانية في جميع مناطق الاحتكاك مع السكان العرب، في يهودا والسامرة، وفي المناطق الأمنية في سوريا ولبنان وقطاع غزة. ويتطلب هذا الانتشار من الجيش "الإسرائيلي" تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع المتقدّم عمليًا، كما يساهم بصورة إضافية في زعزعة استقرار الدول العربية «الاصطناعية».

ـ إعطاء الأولوية للاستقلال الصناعي الدفاعي:

يُعدّ الاقتصاد الدفاعي "الإسرائيلي" شديد التأثر بسلاسل الإمداد الطويلة؛ ولذلك، يجب إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي والاستثمار في قطاع التكنولوجيا الدفاعية (الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي) على القطاعات الأخرى. ويُعدّ البحث العلمي الداعم للتكنولوجيا ذا أهمية قصوى، لكن ينبغي تطويره بصورة مستقلة، بدلًا من تطويره من خلال أطر التعاون الدولي مثل «هورايزون».


أسئلة نقدية: مواجهة المبادئ التأسيسية لمفهوم الأمن التقليدي لـ"إسرائيل"

ينبغي التأكيد على أن المفهوم الأمني «الجديد» قد نشأ في سياق الصدمة الوطنية وتجدّد إدراك التهديدات عقب 7 تشرين الأول/ أوكتوبر. وتفرض هذه الصدمة إجراء تغييرات على جوانب معينة من المفهوم الأمني وإعادة تشكيلها. ومع ذلك، إذا كانت المبادئ المبنية أعلاه تشكّل بالفعل المفهوم الجديد، فإنها تكشف عن تناقض عميق وجوهري مع المبادئ التأسيسية لمفهوم الأمن التقليدي لـ"إسرائيل". وتكمن أهمية نقطة التحوّل هذه في أنها تتجاوز مجرد صياغة مفهوم أمني جديد، لتعكس تحوّلًا جوهريًا في الهوية الوطنية "الإسرائيلية" كما تطورت منذ تأسيس الدولة.

وفي ما يلي أبرز جوانب هذه التحولات في الهوية، التي تتطلب معانيها وتداعياتها النقاش والفحص:

ـ دولة اليهود أم دولة من أجل اليهود؟

المبدأ التقليدي: عرّف إعلان الاستقلال "إسرائيل" بأنها يهودية ملتزمة بمبادئ الديمقراطية الليبرالية، رغم أنه لم يستخدم هذا المصطلح صراحة. وستتمسك الدولة بمبادئ «الحرية والعدالة والسلام». ويتجلى الطابع اليهودي لـ"إسرائيل" في إقامة وطن قومي للشعب اليهودي. ويستمد طابعها الأخلاقي والديمقراطي أصوله من القيم اليهودية، بما فيها المساواة أمام القانون والسعي إلى الأخلاق والعدالة بروح رؤية أنبياء "إسرائيل". ويشكّل الطابع اليهودي للدولة هويتها، بما في ذلك التزامها بـ«المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الجنس». وبعبارة أخرى، فهي ليست دولة ثيوقراطية تحكمها الشريعة الدينية، ومصممة لخدمة «التفوّق اليهودي» على الأديان الأخرى، وانما دولة اليهود، التي تودي دور منارة أخلاقية وقيمية للعالم.

السؤال النقدي: ما التداعيات العملية والطويلة الأمد لجعل المصادر الدينية، بدلًا من الاعتبارات المدنية والديمقراطية، إطارًا لتحديد الأولويات الأمنية؟ هل يمكن لسياسة تسعى إلى تقليص الحقوق المدنية للمواطنين العرب في "إسرائيل" ـ الذين يشكلون نحو خُمس سكان البلاد ـ أن تظل متوافقة مع تعريف "إسرائيل" بأنها دولة «يهودية وديمقراطية»، ودولة تشكّل «نورًا للأمم»، ويساهم وجودها في تحقيق «تيكون عوالم» (إصلاح العالم)؟ وعلاوة على ذلك، ما التداعيات الدولية لتآكل الهوية العلمانية الليبرالية للدولة والتزامها بالمساواة أمام القانون؟

ـ السلام بوصفه مرحلة انتقالية بدلًا من هدف استراتيجي

المبدأ التقليدي: طالما عرّفت "إسرائيل" نفسها بأنها دولة ترتكز في علاقاتها الخارجية على إعلان الاستقلال، واتفاقيات السلام. وبكلمات إعلان الاستقلال، فإنها تمد يدها بالسلام وحسن الجوار إلى دول المنطقة، استنادًا إلى «الحرية والعدالة والسلام». وقد عبّر مؤسسو الدولة عن اعتقادهم بأن السلام هو مفتاح الازدهار وعنصر مركزي في علاقات "إسرائيل" الخارجية مع الدول العربية، وهو عنصر يميزها عن الدول العربية، وهو عنصر يميزها في مكانتها الدولية.

السؤال النقدي: ما الثمن الاستراتيجي والأخلاقي لمفهوم أمني يعرّف اتفاقيات السلام بأنها «كونسبتسيا»، أي وهم معيب ينبغي عدم الوثوق به بطبيعته، بدلًا من التعامل معها كفرصة استراتيجية؟. هل ينطوي التعامل مع السلام بوصفه مؤقتًا بطبيعته على خطر التحوّل إلى نبوءة تحقق ذاتها، وتقوّض أمن "إسرائيل" على المدى الطويل؟ وماذا يعني هذا المفهوم بالنسبة إلى السياسة الخارجية "الإسرائيلية" ومكانتها الدولية، بالنظر إلى أنه يتناقض مباشرة مع المعايير الأساسية للعالم الغربي الليبرالي؟ وإذا أصبح هذا بالفعل أساس المفهوم الأمني، فكيف ستتعامل "إسرائيل" مع خطر الهجرة إلى الخارج، بما في ذلك هجرة الأدمغة على نطاق يهدد اقتصادها ومتانة مجتمعها ونوعيته؟

ـ الازدهار «بين الحروب» (دافيد بن غوريون) في مقابل الحرب بوصفها حالة دائمة

المبدأ التقليدي: تُبْنى الدولة خلال فترات الهدوء الفاصلة بين الحروب؛ ويُنظر إلى الحرب بوصفها حالة استثنائية وقصيرة ومؤقتة، تستند خلالها الدولة إلى الموارد التي راكمتها خلال فترات الهدوء الطويلة، التي تتيح التنمية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية الوطنية.

السؤال النقدي: ماذا يحدث لمجتمع الدولة الديمقراطية واقتصادها وثقافتها عندما تصبح الحرب الطويلة مقبولة بوصفها قاعدة بدلًا من استثناء مؤقت؟ هل تتوافق هذه الحالة مع قدرة الدولة على التطور والازدهار، كما تصوّر مؤسسوها؟

ـ الردع والإنذار المبكر بوصفهما أساسًا لإدارة المخاطر في مقابل الحرب الاستباقية الدائمة

المبدأ التقليدي: شكّل الجمع بين الردع والإنذار المبكر إحدى ركائز مفهوم الأمن "الإسرائيلي"، باعتبارهما أداتين لإدارة المخاطر في بيئة معادية من دون اللجوء إلى الاستخدام المستمر للقوة.

السؤال النقدي: ماذا يحدث لدولة تتخلى عن خيار الردع والإنذار المبكر والدفاع اللاحق، الذي تجسّده المقولة العسكرية المعروفة «حتى لو أُخذنا على حين غرة، فلن نُهزم»؟ ما التداعيات العملية للاعتماد على المبادرة الهجومية المستمرة بوصفها الاستراتيجية الافتراضية؟ هل يمكن لأي استراتيجية الاستغناء عن إدارة المخاطر؟ هل يجعل غياب إدارة المخاطر "إسرائيل" (أو أي دولة) أكثر أمنًا؟ وما التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتخلي عنها؟

ـ «الجنود قبل المدنيين» وقدسية حياة المدنيين في مقابل المدني بوصفه «الدرع الحقيقي»

المبدأ التقليدي: منذ تأسيس الجيش "الإسرائيلي"، كان أحد المبادئ الأساسية أن يتحمل الجنود، بدلًا من المدنيين، عبء الدفاع على الخطوط الأمامية، إلى جانب الالتزام بقدسية حياة المدنيين وتقليل تعرضهم للقتال إلى أدنى حد. ويتولى الجيش "الإسرائيلي" الدفاع عن حدود الدولة، ويحمي المزارعين الذين يحرثون حتى آخر أخدود، ولا تتولى المحراث أو المزارع في الكيبوتس أو الموشاف هذه المهمة.

السؤال النقدي: ألا يؤدي مفهوم يضع المدنيين، بمن فيهم الموجودون في البؤر الاستيطانية والمستوطنات، بوصفهم «درعًا»، في الخطوط الأمامية، إلى قلب أولويات دولة قوية وذات سيادة (تضع الجنود قبل المدنيين)، ويعرض غير المقاتلين للمخاطر نفسها التي سعت الدولة، من خلال قوات الدفاع "الإسرائيلية"، إلى تجنيبهم إياها؟ وماذا يعني هذا بالنسبة إلى وضع حدود "إسرائيل"؟ ينبغي أن يُحدَّد هيكل قوات الدولة ومفهومها الدفاعي وفقًا لحدودها، كما هي معترف بها بموجب القانون الدولي ومكرّسة في الاتفاقيات. فما التداعيات الاقتصادية والأمنية والدولية للتخلي عن حدود محددة لصالح مناطق دفاع مرنة وغير واضحة المعالم؟ وأي مفهوم دفاعي يناسب مثل هذا الواقع؟

ـ دعم القوى العظمى والاعتماد العالمي في مقابل رؤية الاستقلال الاقتصادي والأمني الكامل

المبدأ التقليدي: بالنظر إلى صغر مساحة "إسرائيل" الجغرافية، وندرة مواردها الطبيعية، واعتمادها العميق على شبكات التجارة والعلوم والتكنولوجيا العالمية، أدركت المؤسسة الدفاعية منذ زمن طويل أن "إسرائيل" تحتاج إلى دعم قوة عظمى. ولا تستطيع "إسرائيل" الحفاظ على اقتصاد دفاعي مكتفٍ ذاتيًا ومعزول عن العالم؛ فمن دون دعم قوة عظمى، تظل معرّضة لمخاطر دولية جسيمة.

السؤال النقدي: ما تداعيات غياب دعم قوة عظمى وغياب علاقة خاصة مع الولايات المتحدة؟ هل تكفي "إسرائيل" علاقة مع الولايات المتحدة تستند حصرًا إلى المصالح والاعتبارات التجارية والاقتصادية؟ كيف يؤثر هذا الموقف في مكانة "إسرائيل" الإقليمية؟ هل يُعدّ فصل العلوم والصناعات الدفاعية "الإسرائيلية" عن أطر التعاون الدولي مجديًا اقتصاديًا لدولة صغيرة تعتمد على التجارة وتمتلك موارد طبيعية محدودة؟ أم أنه ينطوي على خطر الركود التكنولوجي والعزلة الدبلوماسية، في الوقت الذي تكون فيه الشراكات الاستراتيجية أكثر أهمية من أي وقت مضى؟


الخلاصة

إن المفهوم الأمني «الجديد» الموصوف أعلاه، رغم أنه لم يُكرَّس قط في وثيقة رسمية أو يُعتمد من خلال إجراء رسمي، هو ما وجّه فعليًا جوانب رئيسية من السياسة الأمنية "الإسرائيلية" منذ 7 تشرين الأول/ أوكتوبر 2023. وينبع تأثيره الكبير تحديدًا من كونه يعمل بوصفه مفهومًا غير مكتوب تكشف عنه الممارسة، بدلًا من كونه سياسة معلنة لحكومة. ولذلك، من الضروري صياغته صراحة وإخضاع تفاصيله وتداعياته للنقاش العام. وعندئذ فقط يمكننا تحديد ما إذا كان يمثّل تكيُّفًا ضروريًا مع الواقع الأمني الحالي والناشئ، أم تعبيرًا عن تحوّل جوهري وغير خاضع للرقابة في هوية الدولة.

ملاحظة : أدخل محرر الحقول بعض التعديلات الطفيفة على الترجمة.


مركز الحقول للدراسات والنشر

‏الثلاثاء‏، 09‏ جمادى الأولى‏، 1448 الموافق ‏20‏ تشرين الأول‏، 2026


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق