كيف تحفظ دول "التعاون الخليجي" أمنها؟
لماذا صمت اشقاؤنا "الخليجيون" عن هذه الحرب التي فشلت واشنطن وتل أبيب، على كل حال، في تحقيق أهدافها، بالرغم من الضيم الشديد الذي أصاب إخواننا في إيران
لماذا صمت اشقاؤنا "الخليجيون" عن هذه الحرب التي فشلت واشنطن وتل أبيب، على كل حال، في تحقيق أهدافها، بالرغم من الضيم الشديد الذي أصاب إخواننا في إيران
كتب محرر الحقول / الوطن العربي : كشفت الحرب الأميركية (ـ الإسرائيلية) على إيران، عن هشاشة أمن دول "مجلس التعاون الخليجي". لقد صرف أشقاؤنا، العرب "الخليجيون"، مواردهم طيلة عشرات السنين، في خدمة مصالح الولايات المتحدة، لكي تمنحهم الأمن والحماية. لكن ما إن حانت اللحظة التاريخية الحاسمة، حتى وقع ما كانت هذه الدول تخشاه دائماً. فالقرار الأميركي بالحرب، جعل منها هدفاً مباشراً لأعداء واشنطن.
تجلت هذه الحقيقة الإستراتيجية الجديدة، بالرد الإيراني الفوري على المعتدين. إذ باشرت القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية بضرب القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية الموزعة في اراضي الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت. كما بدأت أسراب الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية تنهمر على أهداف إسرائيلية حيوية في أنحاء فلسطين المحتلة.
إن شراء الأمن القومي "الخليجي" من "السوق الأميركية"، قد عاد بالنفع على طرف واحد، وهو واشنطن ـ إسرائيل. لقد نشر الصحفي السعودي مراد الزهراني من الرياض، تقريراً إحصائياً، في صحيفة الإقتصادية، بتاريخ 4 آذار 2026، وهو اليوم الخامس للعدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران. كان عنوان التقرير: "تريليون دولار الإنفاق العسكري الخليجي خلال عقد والسعودية القوة المحركة بـ 82 بالمئة".
والتقرير الصادر عن وحدة التحليل المالي في "الاقتصادية"، يؤكد أن إجمالي الإنفاق العسكري لكل من السعودية، عمان، الكويت والبحرين، بلغ نحو 970 مليار دولار في العقد الممتد ما بين عامي 2014 ـ 2024. وهذا الرقم الخيالي سيكون أكبر بكثير، لولا أن الزهراني استثنى من تقريره دولة الإمارات وقطر، اللتان تخفيان قيمة الإنفاق العسكري لديهما عن بيانات "معهد ستوكهولم لدراسات السلم الدولي".
ورغم الإستثناء، يخلص الزهراني إلى أن السعودية هي "المحرك الرئيسي للإنفاق العسكري الخليجي خلال العقد المذكور. إذ بلغ إنفاقها نحو 800 مليار دولار، أي ما نسبته 82 بالمئة من إجمالي الإنفاق العسكري للدول الأربع" المذكورة. كما يستنتج أن حجم "الإنفاق الدفاعي، يعكس الدور المركزي للسعودية في تشكيل موازين القوة العسكرية في الخليج. [لمواجهة] التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة".
من المعلوم أن العلاقات "الخليجية" ـ الإيرانية قد تقلبت على درجات من التوتر، منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. فيما كان يسودها الصفاء والود في عهد الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي. لم ينجح الطرفان في صوغ علاقات متوازنة لأسباب عربية وإيرانية كثيرة. بعضها يمكن تفسيره بل وقبوله. لكن السبب الرئيسي في هذا التوتر ومحركه العنيف، كان إصرار "التعاون الخليجي" على "وضع كل البيض في السلة الأميركية".
لقد أذل الأميركيون أشقاءنا "الخليجيين"، لا سيما المملكة العربية السعودية، في ملفات كبرى تمس الأمن الإستراتيجي لدولهم. مثلاً، امتنعت واشنطن عن تزويد السعودية بطائرات أف 35 إرضاء لإسرائيل. كما شاحت بوجهها عن رغبة السعودية بتنمية اقتصادها الوطني بالعلوم النووية وبالتكنولوجيا النووية أيضاً. وبالطبع، فإن إسرائيل هذه التي اعترضت واشترطت على طلب الرياض للنووي من واشنطن.
إن "الحاجز الإسرائيلي" المنصوب عند "مدخل واشنطن"، يثبت فعاليته بـ"تفتيش" كل العرب ونبشهم، والسعوديين منهم، بالتحديد. لقد ناورت الرياض، تجنباً لتجرع سم "اتفاقات أبراهام"، ودفعت "خوة" باهظة لاسترضاء واشنطن. لكن تل أبيب زادت من عدوانيتها. وقد عاينا، كلنا، الكراهية اليهودية الصهيونية للمملكة العربية السعودية، مجسدة بالوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي قال مخاطباً السعودية :
ـ "لا أحد ـ وأؤكد، لا أحد ـ يقدم لنا خدمة بتطبيع العلاقات معنا والانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم". و"إذا قالت لنا السعودية أن التطبيع [معنا يكون] مقابل دولة فلسطينية، فحينئذ يا أصدقاء [سنرد عليكم] لا، شكرًا. استمروا في ركوب جمالكم في الصحراء، وسنواصل بناء قوة تكنولوجية هائلة".
لقد ثابر النظام اليهودي الصهيوني في تل أبيب، بمختلف قياداته، على "تكييف/ adaptation" العلاقة السعودية ـ الأميركية وفق مصالح إسرائيل. وهذه إحدى السمات الجوهرية في "التحالف السعودي ـ الأميركي"، بل في "التحالف الخليجي" ـ الأميركي كله. في هذا السياق، يجب أن نفهم أن التطبيع القطري ـ الإسرائيلي والإماراتي ـ الإسرائيلي، هو جزء من اسس الأمن القومي لكل من أبو ظبي والدوحة الذي "تحرسه" واشنطن!.
ولكن ما النفع. ماذا "أنجز" اللوبي القطري أو الإماراتي أو السعودي في أميركا، غير إدارة حملات العواصم "الخليجية" ضد بعضها البعض، و"دعم إسرائيل"، بحسب اعتراف قناة الجزيرة القطرية.
لقد سفحنا كما غيرنا، المداد الغزير، ونحن نقول أن النظام الرأسمالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية (وإسرائيل) بلغ مرحلة الأفول. وأن العالم يعيش مرحلة نظام دولي انتقالي، ستفضي حتماً إلى نظام جديد متعدد الأقطاب، اي إلى نهاية نظام الهيمنة الغربي الذي تتزعمه أميركا. أنه وضع عالمي جديد، يَزِرُّ "التحالف الخليجي ـ الأميركي" في ديناميكية استراتيجية استنزافية.
كان هذا القول من زمان. وقد جاءت نتائج العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران وعلى لبنان وعلى اليمن لتثبت صحته. فهل في آذان الأشقاء "الخليجيين" وقرٌ فلا يسمعون ولا يعقلون.
بعد يومين من الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، في الأول من مارس، بعد يوم من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما المشتركة ضد إيران، عقد المجلس الوزاري لـ"مجلس التعاون الخليجي" اجتماعاً استثنائياً. ثم اصدر بياناً أدان فيه بشدة "الهجمات الإيرانية الشنيعة" على اراضيه. وأكد حق دوله في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة!؟.
ولكن ماذا عن المعتدين الأميركيين، الذين نقضوا مع إسرائيل الإتفاقات الدولية المبرمة مع إيران. والذين أعدوا خطة الحرب باتقان وأخذوا الوقت الكافي لحشد أدواتها وتوفير متطلباتها. وقاموا في يوم 28 شباط 2026، بشن حرب تكنو ـ أمنية لاغتيال قيادة النظام السياسي وأركان الدولة في إيران وتدمير أجهزة حفظ القانون وتحريض الشعب الإيراني على الفوضى السياسية في بلاده.
لماذا صمت اشقاؤنا "الخليجيون" عن هذه الحرب التي فشلت واشنطن وتل أبيب، على كل حال، في تحقيق أهدافها، بالرغم من الضيم الشديد الذي أصاب إخواننا في إيران. لماذا لا تنتقد السعودية وبقية دول التعاون "الخليجي" العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي. وحدها سلطنة عمان فعلت ذلك، وإن بخفر.
لا نريد تصديق الإعلام الصهيوني في الغرب، خصوصاً في أميركا وتل أبيب، عن تحريض "الخليجيين" للولايات المتحدة على مهاجمة إيران. هذه دعاية تافهة. فالولد سر ابيه لا العكس. لكن لا يمكن لـ"مجلس التعاون الخليجي" أن يستمر في شراء أمنه من الولايات المتحدة ومن إسرائيل، كما كان الحال قبل الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. أبداً.
فهذه الحرب، بل هذه الحروب من لبنان واليمن ودول الساحل وحتى فنزويلا وأوكرانيا، وانقسامات الإتحاد الأوروبي، والتوتر في بحر الصين الجنوبي وفي شبه الجزيرة الكورية، وإعلان قطر "القوة القاهرة" في إنتاج الوقود، وطلب الإمارات من واشنطن تزويدها بالدولار، بعد خفض الأجور فيها بنسبة 5 في المئة، كل ذلك، يشكل ديناميات المرحلة الإنتقالية في النظام الدولي الراهن.
إن الإكتفاء بالجناح الباكستاني أو زيادة التمسك بمنتجات الأمن الأميركي أو الإسرائيلي لا يجدي نفعاً، يلزم دول الخليج العربي بصيرة تاريخية أوسع وخطة استراتيجية معدلة، تتلاءم مع اللحظة التاريخية الراهنة، لكي تتحمل أوزار الخسران الأميركي ـ الإسرائيلي أمام إيران وقوى الإستقلال الوطني في العرب والعالم. وأول خطوة هي التفاهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على اسس الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي. وكذلك التقارب مع الأقطاب الصاعدة النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مثل الصين وروسيا والبرازيل. إن إمكانيات الجنوب العالمي الكبير على تنظيم أمنه بصورة عادلة واضحة، و"التعاون الخليجي" يمكن ان يساهم في ذلك، بما يحفظ أمنه في الداخل والخارج.
محرر الحقول
مركز الحقول للدراسات والنشر
الأربعاء، 06 ذو القعدة، 1447 الموافق 22 نيسان، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً