رسالة إلى المجلس الوزاري العربي : انتبهوا، فقد يخسر العرب حقهم في تقرير المصير...
تقع على عاتق المجلس الوزاري العربي مسؤولية منع انزلاق الموقف العربي نحو الخروج على القانون الدولي
تقع على عاتق المجلس الوزاري العربي مسؤولية منع انزلاق الموقف العربي نحو الخروج على القانون الدولي
كتب الأستاذ علي نصّار/ خاص الحقول ـ بيروت : يعقد وزراء خارجية الدول العربية اجتماعاً طارئاً، غداً، الأحد، في مقر جامعة الدول العربية، في القاهرة، وعلى جدول أعمالهم "الاعتداءات الإيرانية على أراضي بعض الدول العربية". وفي بيان سابق "أدانت" الجامعة هذه "الاعتداءات"، لأنها "تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة دول لم تشارك في الحرب". كما اعتبر الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، أنه "لا يوجد أيّ تبرير مقبول لقيام إيران باستهداف دول عربية جارة، بهدف جرّها الى حرب ليست حربها". و"تمنى أن يتدارك الإيرانيون هذا الخطأ وأن يوقفوا هجماتهم فوراً".
من الواضح، إذن، بحسب التقارير الصحافية المتوفرة، أن الدول العربية، قد حصرت أسباب الوضع السياسي العسكري في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، في مسألة "إعتداءات إيران" على "الدول العربية الجارة" لها. بما يوحي بأنها لن تنظر في الأسباب الأساسية التي تقوض الأمن والسلم الإقليمي والدولي هناك، وأهمها "تصرف" الولايات المتحدة الأميركية، بالقواعد العسكرية التي "تملكها" في الدول العربية المجاورة لإيران، كنقاط وثوب في الحرب العدوانية التي أشعلتها و"إسرائيل" ضد الجمهورية الإسلامية.
وإذا كان المجلس الوزراي العربي عازفاً عن الإلتفات إلى هذا السبب، فهذا يعني أنه لن يقدر على تفحص دوافع كلا طرفي الحرب في المسارعة إلى خوضها. فتبدو غاية الإجتماع، وكأنها استدراج الموقف العربي الرسمي إلى إدانة إيران. وما قد يترتب عليها من انحراف عربي عن مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. فتقع أضرار سياسية واستراتيجية بجملة من القضايا العربية الكبرى وأولها القضية الفلسطينية. وتكون الجامعة عندها، قد قابلت "الخطاً الإيراني" بـ"الخطاً العربي".
إن قصف إيران للقواعد العسكرية الأميركية وللكيان الصهيوني، هو عمل دفاعي لردع المعتدي الأميركي ـ "الإسرائيلي". وهذا رأي حلفاء واشنطن وتل أبيب، الذين يؤكدون أنهما كسرتا "قواعد القانون الدولي وخرجتا عليه"، بشنهما هذه الحرب المدمرة على دولة مستقلة ذات سيادة. وقد نشر موقع il fatto quotidiano فيديو يسجل مداخلة وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروزيتو، أمام مجلس النواب "بعد شجار وقع فيه" حول "شرعية" هذه الحرب، يقول فيه :
ـ "لقد انتهك ذلك [أي شن الحرب الأميركية ـ "الإسرائيلية" على ايران] قواعد القانون الدولي، بكل تأكيد. لقد بدأ الهجوم الإسرائيلي عندما أصبح موقف [السيد علي] خامنئي [رحمة الله عليه] معروفاً. إنها حرب اندلعت دون علم العالم، ونجد أنفسنا الآن مضطرين لإدارتها. تكمن مشكلتنا في إدارة تداعيات أزمة انفجرت ولم نكن نرغب بها." ويضيف محرر الموقع، أن كروزيتو، "اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالقتال خارج نطاق القانون الدولي".
طبعاً، قدمنا مثل إيطاليا، نظراً لمكانتها في البنى الأوروبية والأطلسية. ولكن يستطيع وزراء الخارجية العرب، أن يعثروا على أمثلة أخرى لأطراف إقليمية ودولية، تقطع، جميعاً، بأحقية دفاع الإيرانيين عن أنفسهم أمام جيوش أميركا و"إسرائيل". إن موقف الوزير كروزيتو، يجزم بأن المبتدأ الأولي، في بحث مسار الوضع الإستراتيجي في دول شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، هو التحركات الهجومية للجيشين الأميركي و"الإسرائيلي"، ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من القواعد العسكرية الأميركية والأطلسية في هذه الدول. وأن القوات المسلحة الإيرانية إنما قابلتها بتحركات دفاعية.
إن الظرف صعب. لكن المجلس الوزاري العربي على عاتقه تقع مسؤولية منع انزلاق الموقف العربي نحو الخروج على القانون الدولي، من "ثقب" حماية القواعد الأميركية والغربية في الدول العربية. لأن هذا ما تريده أميركا و"إسرائيل". وليس مستبعداً أن يفتعل المعتدون، هجمات مدبرة لإحراج المسؤولين العرب المعنيين، تمهيداً لتوريطهم، بل استنزاف موارد دولهم في هذه اللجة الجيواستراتيجة الرهيبة.
فالهدف الأميركي ـ "الإسرائيلي"، بات واضحاً، ألا وهو فرض مبدأ السلام بالقوة على مجمل أطراف النظام الدولي ـ الإقليمي الإنتقالي الراهن، لا سيما كتلة الدول العربية التي تريد واشنطن وتل أبيب "ابتلاع" مواردها الوطنية كافة. ولن "تشبعهما" تريليونات الدولارات التي أداها العرب إليهما في المرحلة الماضية. وحتى إذا ما فكر بعض المسؤولين العرب بأن الإرتماء الإضافي، حالياً، بـ"الحضن الأميركي"، سيجلب إلى بلادهم السلم والأمن، فإنهم سرعان ما سيكتشفون حجم الوهم في تفكيرهم.
ولكن حتى ذلك الحين، ربما يكون قد فات الأوان. لماذا؟
لأن الحرب الدفاعية التي تخوضها إيران، هي حرب من أجل البقاء باعتبارها دولة ـ أمة، تمسك بيديها حقها في تقرير مصيرها. وأنها في سبيل الحفاظ على هذا الحق، الذي نصّ ميثاق الأمم المتحدة على شرعيته، وجعله في صلب القانون الدولي، ستعمل على امتلاك واستعمال كل الوسائل التي تصون هذا الحق وتنفيذ هذا القانون. بحيث تؤكد لنفسها كدولة مستقلة ذات سيادة وللعالم، أن الحكومة الأميركية لا تملك "حق" اغتيال القيادة الإيرانية وتعيين بديل منها، بحسب تصريحات الرئيس دونالد ترامب.
إن الطبيعة الجذرية للحرب العدوانية الأميركية ـ "الإسرائيلية" على إيران تضيق هامش المناورة الديبلوماسية العربية التي يسعى خلفها المجلس الوزاري العربي، غداً أو في أي وقت آخر. لأن هذه الحرب المخالفة للقانون الدولي، أخذت الدول العربية، بالفعل، إلى مأزق استراتيجي تاريخي، لم تخبر نظيراً له، في تاريخ النظام الإقليمي ـ الدولي. إن حال اللايقين Chaos التي وسمت الوضع الدولي منذ بداية الألفية الجديدة، تزداد تأصلاً فيه، كلما قويت ديناميكيات الإنتقال إلى النظام الدولي ـ الإقليمي المتعدد الأقطاب.
إن العدوان على إيران، وتحشيد قواهم خلف نظام زيلينسكي في أوكرانيا، يؤكد تراجع خشية الأميركيين وعموم الغربيين، من أُوار هذا المخاض العالمي. لقد اختفى حذرهم من اللايقين/ Chaos، بعدما أدت حروب "الثورات الملونة" ولا سيما "حرب الربيع العربي"، إلى اختبار وتطوير إمكانياتهم المادية على شن وخوض "الحروب الإستنزافية المزمنة" ضد خصوم ضعفاء وأقوياء في آن معاً. وقد استعادوا الثقة بهذه الإمكانيات، فقويت فيهم، ثانية، النزعة الإمبريالية إلى الحرب والعدوان، مع نضوج منجزات الثورة العلمية ـ التكنولوجية الجديدة في الشؤون العسكرية.
إن الطبيعة الجذرية للحرب الإمبريالية على إيران، لا تصدر، قط، عن معنى باطني أو سري. إنها تتولد من من الثقة المتعاظمة لدى النخبة الأميركية و"الإسرائيلية" بمنجزات تلك الثورة، التي تتراكم يومياً، في المجالات التطبيقية الحربية التكنو ـ عسكرية والتكنو ـ أمنية، خصوصاً. ونجد تعبيراً عميقاً عن تلك الثقة، في تقرير موجز نشره موقع معهد هوفر، من يومين، عن تأييد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس لهذه الحرب وما يمكن أن نصفه بتصديها لـ"التنظير" لها. جاء في التقرير :
[انضمت مديرة معهد هوفر، كوندوليزا رايس، إلى برنامج "تقرير خاص مع بريت باير" على قناة فوكس نيوز، يوم 4 آذار/مارس الجاري، لمناقشة أهداف الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، فذكَّرت المشاهدين بأن إيران تُهدد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة بشكل متكرر منذ ثورة 1979. وقالت رايس: "أعتقد أن هدف الإدارة هو جعل إيران عاجزة عن استخدام قواتها العسكرية خارج حدودها، أو تهديد جيرانها أو حلفائنا أو قواعدنا في الخارج، لأننا نرى ما هي قادرة على فعله". وأضافت إن إطلاق إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي المطلة على الخليج العربي يُعد "خطأً استراتيجياً فادحاً". كما ناقش باير ورايس إمكانية مساعدة جماعات الأقلية الكردية المسلحة في قتال قوات الأمن الإيرانية داخل البلاد.]
انتهى التقرير.
إن "تنظير" رايس الشغوف لطبيعة وهدف الحرب على إيران، يماثل تصريحات ترامب ووزير حربه هيغسيث، في الثقة بالتكنولوجيا الجديدة إلى حد "تأليهها". وهذا النزوع إلى تحطيم قواعد القانون الدولي، مألوف في تيار "المحافظين الجدد" الهمجي الذي تنتمي إليه رايس. لكن هذا الفكر الإمبريالي العنصري الذي تقود رموزه السياسة الداخلية والخارجية لأميركا، اليوم، يضمر تهديداً حاسماً لمصير الدول العربية، خصوصاً إذا ما ارتضت بأن تنضم إلى الصفوف الأميركية ـ "الإسرائيلية" لـ"جعل إيران عاجزة".
ولذلك، يجدر بالمجلس الوزاري العربي أن يدرك أهمية تسوية العلاقات مع إيران، واحترام حقوقها السيادية على أساس الأمن المتبادل. لأن التسوية العربية ـ الإيرانية تضمن مصالح الأمة العربية والأمة الإيرانية. كما يجب أن يلتفت المجلس إلى أن الدول العربية التي سترضى بالدخول في صفوف الإمبرياليين الهمجية، الظلامية، مهما كانت المبررات، لسوف تخسر حقها في تقرير مصيرها، فوراً. لأن مكانتها في ميزان الأمن الإقليمي ستغدو حتى نهاية هذه الحرب معلقة على نتائجها، ومتوقفة على توازنات المنظومات الإقليمية الجديدة التي ستفرضها.
علي نصّار
السبت، 19 رمضان، 1447 الموافق 07 آذار، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً