“السطلنة” ومعركة الوعي في لبنان؟!

“السطلنة” ومعركة الوعي في لبنان؟!

بعد تقرير “حظر الأسلحة” : هل يتغير موقف الولايات المتحدة من الإرهاب الكيميائي في سوريا؟
أوقفت في مطار بيروت : الفنانة أصالة نصري تتعاطى مخدر الكوكايين وينتظرها السجن
“المنظمة المصرية لمكافحة المنشطات” تكذب “الشائعات” : شيكابالا وإمام عاشور لا يتناولاها

حلَّت على اللبنانيين أيام الشدة العصيبة. لا همَّ للقلة الإجتماعية الحاكمة / الأوليغارشيه غير تسخير الفضاء السياسي ـ الإعلامي، لزرع الشقاق في صفوف الأغلبية الإجتماعية المحكومة، التي تحاول الخروج من سباتها الطويل في أوهام “الرفاه” الزائفة وشره الإستهلاك. تتكاتف طبقة الأوليغارشيه، في هذه الأيام، وتتراصف فئاتها العليا الثرية، حول محور التخاذل الوطني أو محور التقليد الطائفي/ المذهبي، بل تجمع أحياناً بين كليهما. بات مقصدها الأعلى حماية “النظام الرأسمالي الطائفي/ المذهبي” والتنصل من مسؤوليتها عن الإنهيار المالي ـ النقدي الراهن، الذي خرَّب حياة الأسر وقضى على مداخيلها ومدخراتها. إنها حرب حياة أو موت تخوضها هذه القلة المستبدة، لتبرئة ذمتها من “ذُلِّ السؤال” والتسول الذي أوقعت به لبنان واللبنانيين.

في هذا الفضاء المزدحم بأدوات ومنابر صناعة الرأي العام، جندت الأوليغارشيه، لا سيما “حزب المصارف، وهو نواة السلطة الفعلية في لبنان، كتائب من محرري الصحف وإعلاميي الفضائيات، ومن ملتزمي “الثورات الملونة” في المنصات السبرانية، كما حركت منابر “الهياكل الإلهية” في بكركي وأشباهها لتحقيق هدفها في هذه الحرب. تريد حجر عقول المواطنين في متاهات “الوعي الغافل”، تصنع المواطن “المسطول” بهمومه الفردية والعائلية. المواطن الذاهل عن طغيان مصالح الأوليغارشيه على  مصالحه وعلى مصالح الجماعة الوطنية.

في العقود السالفة، كانت الآلام الإجتماعية الراهنة بكل أحزانها، لا تزال في طي الغيب. لأن طبيعة “الوعي” المهيمن، السائد، قد غَلَّقت الأذهان. لم يلتفت المواطنون كما ينبغي إلى الأصوات التي نبهتهم من تصاعد “أزمة النظام الرأسمالي الطائفي” وحذرتهم من عواقب تفجرها، وكانت تتوقع الإنهيار الراهن. لم يعبأوا بهذه الأصوات نتيجة “الوعي الغافل”، لا الوعي الإصلاحي ولا الوعي الثوري، طبعأ، الذي حبس عقولهم. مع هذا النوع من “الوعي” الهش والمتكسر، الذي صنعته خلال السنوات الطوال من حكمها الإستبدادي الفاسد، تستسهل الأوليغارشيه، بل يستمرئ “حزب المصارف”، إهانة هذه العقول، الآن، والتجبر على المحكومين، بإلقاء مسؤولية الإنهيار على محور المقاومة والإصلاح السياسي.

لقد كان شلل الإقتصاد وتدهور المداخيل، وتآكل المدخرات، الذي يؤرق الأمهات والآباء، راهناً، ويهدد شروط الوجود الإجتماعي لعائلاتهم، احتمالاً مرئياً منذ سنوات. لأن حجم هرم الديون المقلوب كان يتضاعف، مع جور شروط المراباة التي فرضها مرابو المصارف. وكلما ارتفع هذا الهرم وناءت الدولة والمجتمع بأثقاله، كان عجز الأوليغارشيه على الإستمرار بـ”إدارة أزمة النظام”، يغدو جليَّاً لكل ذوي البصيرة. بل كان يجب أن يصبح جليَّاً، من بعد هبوب “الحراك الشعبي الوطني” في يوم 17 تشرين الأول 2019. لكن هؤلاء الضحايا، من الأمهات والآباء والعائلات، وهم الأغلبية الإجتماعية المحكومة، واجهوا محنتهم بهذا “الوعي” البائس، الذي حشت الأوليغارشيه رؤوسهم به.

لا بد من انتقاد “الوعي الغافل” وطغيانه على أذهان كتلة وازنة من اللبنانيين. لأن عجز الأوليغارشيه عن الإستمرار بالحكم بأسلوب “إدارة أزمة النظام”، له معنى واحد، سافر، وهو حاجة لبنان إلى تغيير النظام السياسي أو إجراء إصلاح سياسي جذري فيه. مأساة المواطنين الذين صُدِموا بالإفقار يستوطن بيوتهم وينقم عائلاتهم، في المرحلة الحالية، أنهم لم يعيدوا النظر بهذا “الوعي” الذي تملكهم وخلب عقولهم، أثناء المرحلة الماضية. والأوليغارشيه مسرورة بذلك. الأوليغارشيه بكليتها في الدولة وفي المجتمع، مسرورة بأن الأغلبية المحكومة تجابه بؤس أزمنة الشدة بـ”الوعي” القديم الذي اكتسبته من تلك المرحلة.

كان “الحراك الشعبي الوطني” في عام 2019 فرصة فوتها المواطنون بأيديهم. كان أكثر من تنغيص على الأوليغارشيين وهم يحيون بكل مكرٍ وخبثٍ، ذكرى استيلاد النظام الرأسمالي الطايفي، من أذيال “مؤامرة” الإنكليزي مارك سايكس والفرنساوي جورج بيكو على بلاد الشام قبل مئة سنة. كان “الحراك” المتسارع من يوم 17 تشرين الأول 2019، أشبه بثقبٍ بليغٍ فُتِح، فجأة، في قاعدة النظام المهترئ. تهيبت الأوليغارشه من “الحراك”. أخافها. وقيل أن الرموز اللصوصية في الحكم المستبد زَمِعَتْ وهي تسمع هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”، يعلو من قلب بيروت ومن “شارع المصارف” بالذات.

الهتيفة الذين معستهم القوى الأمنية، في كرامتهم قبل اجسادهم، كانوا يقصدون، يومها، تغيير النظام السياسي وليس تغيير “الطبقة السياسية”. النظام اللبناني الذي جَوَّع المواطنين واضطهد المقاومة الوطنية. النظام الذي يحمي إدارات المصارف التي سطت على ودائع اللبنانيين المالية اكتفى بـ”قوننة” لصوصيتها، وستر جرائمها.

هل نسينا إدارات المصارف وهي توثق تحقيقات خطية مع المواطنين عن مصادر دخلهم. تتجسس على مواردهم المالية. ألا نذكر كيف وضعت المصارف اللبنانيين تحت الشبهة، بأن أخضعتهم للقوانين الضريبية والسياسية الأميركية. ألم تطرد المصارف من السوق الوطنية، من سوق لبنان، مواطني الدولة اللبنانية الناشطين في المقاومة الوطنية ضد “إسرائيل”. ألم تستجب المصارف لدواعي القوانين الأميركية لمكافحة الإرهاب التي وضعت لتلبية حاجات الكيان الصهيوني الأمنية والإستراتيجية.

مهما كان المواطن “مسطولاً”، من المعيب عليه أن ينسى أن ما عملته المصارف، بحق المواطنين ـ المودعين، جعلها الدولة العميقة، بل سلطة الدولة العميقة في لبنان. لقد كان القطاع المصرفي قبل تفجر أزمة النظام، وحدوث الإنهيار الإجتماعي ـ الإقتصادي الحالي، يشارك السلطة السياسية بـ”إدارة الأزمة”. بل إن رئيس “جمعية المصارف”، “لوبي المرابين”، فرض على السلطة كيفية “إدارة الأزمة”. ومأساة “هيئة التنسيق النقابية” ما زالت شاهداً ماثلاً، منذ سنوات، لكل ذي بصيرة.

يجب أن يخرج المواطنون من “السطلة”، من شرنقة “الوعي الغافل”.

فالمصارف اللبنانية تصرفت علناً، بودائع اللبنانيين. بداية، كضابطة عدلية، صادرت أصولهم المالية. ثم تصرفت كقضاء يعين منسوب حقهم ومقدار أنصبتهم في ما (كان) لهم بذمتها. بعدها، تحولت هذه المصارف، علناً، إلى أجهزة أمنية تنفذ حكم القضاء، فتفتح للمواطنين ماكينات السحب بالمبالغ المحددة وفي الأوقات المحددة. لكن هذه المصارف ميَّزَت، سرَّاً، أوليغارشيي السلطة السياسية، عن المواطنين ـ العاديين الذين علقت ودائعهم المالية في براثنها. أجرت المصارف معهم صفقات هائلة لتشليحهم هذه الودائع، فيتنازلوا عنها لإدارة المصرف مقابل حصول المواطن ـ المودع منهم على “نتفة” مما كان ذات يوم ثروة تقيه عاديات الزمان.

يجب أن يخرج المواطنون من “السطلة”، من شرنقة “الوعي الغافل”.

لقد انقضت القوى الأمنية على “الحراك الشعبي الوطني”، الذي ارتكب ناشطوه، يومذاك، أخطاء استراتيجية وتكتيكية فظيعة. وهذه السذاجة السياسية التي وسمت “قيادته”، وهي “قيادة” وطنية، محترمة على كل حال، هونت على الأوليغارشيه، وعلى القوى الخارجية، أوروبا والولايات المتحدة، ركوب “الحراك” نفسه، ثم مسخه إلى “حراك طائفي / مذهبي”، مع لافتات عن “إسقاط الفاسدين”، و”انتقال السلطة”، و”حل مشكلة السلاح” ألخ، حتى صار خليطاً من الأطياف الميليشياوية ورعاع “الثورات الملونة”.

واليوم، مع اشتداد ضغط الأزمة، وهي لا زالت في بدايتها كما يقول “خبراء” الإقتصاد الأوليغارشيون، ومع هبوط اربع أخماس الشعب اللبناني تحت خط الفقر، يصبح الفضاء الإعلامي ـ السياسي المطبق على عقل هذا الشعب أكثر صخباً. اليوم، تغدق الأوليغارشيه و”أخوية” الرأسمال المالي المحلي والأجنبي، وحلف الدول الإمبريالية التي تخطط لـ”انتقال السلطة”، مزيداً من الدولارات “الطازجة على كتائب الإعلام الصحفي والفضائي والسبراني ومتعهدو “الثورات الملونة”، وخطباء “الهياكل الإلهية” الأسبوعية، لتبرئتها من النزول بلبنان إلى درك هذا الخراب “العميم”.

ترعى القلة الإجتماعية الحاكمة بطون كتائب التضليل، فتملؤها لكي تحافظ على “الوعي الغافل”، على المواطن الغافل عن الحقيقة. “المسطول” المُضَلَّلْ، الذي يسلم بأن كل أزمة النظام الرأسمالي الطائفي / المذهبي، لم تصنعها الأوليغارشيه. وأن “إدارة أزمة النظام” بالبرنامج النيوليبرالي الذي طبقته الأوليغارشيه، ومولته الدول الإمبريالية والرجعية، ورضيت عنه “إسرائيل”، ليس السبب الأساسي وشبه الوحيد في انهيار اقتصاد الأسر وخراب حياة المنتجين والموظفين والأجراء في لبنان. وإنما الذي تسبب بالأزمة وأحدث الإنهيار، هو محور المقاومة، خصوصاً، حزب الله، رأس حربة المقاومة ضد المشروع الصهيوني.

“السطلنة” أو هذا “الوعي الغافل”، هو أفضل حليف للأوليغارشيه وحلفائها الآخرين في أميركا وأوروبا وبريطانيا (أجل، لا تنسوا بريطانيا) و”التعاون الخليجي”. تستميت الأوليغارشيه، تحارب، ومستعدة لأن تَقْتُل وتُقْتَل لكي يبقى المواطنون في ظلام “السطلنة”، في شرنقة “الوعي الغافل”.

إنها “معركة الوعي” في لبنان. معركة تحرير الوعي. متى نستفيق.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الجمعة‏، 25‏ جمادى الثانية‏، 1443، الموافق ‏28‏ كانون الثاني‏، 2022
‏نشر في موقع مجلة الهدف الفلسطينية، يوم الثلاثاء‏، 16‏ تشرين الثاني‏، 2021