الغرب و”الإسلام السياسي” : لماذا اخترعت الإستخبارات الأميركية “النموذج التركي”؟

ما بعد “الفجيرة” و”الشرقية”: الإمارات والسعودية على عتبة “الجبهة الأنكلوساكسونية” المتداعية!؟
تفجيرات كولومبو: من حرّك ارهابيي “داعش” في جوار “الحزام والطريق”؟
أيها الأشقاء السعوديون أكملوا المعروف …

يلفتنا فَشَلُ الإنقلاب العسكري على الحكم “الإخواني” في تركيا، إلى عمليات التجسس المنظمة التي تديرها أجهزة الولايات المتحدة الأميركية، ضد الدول الديموقراطية “الحليفة”. توسعت في السنوات الأخيرة حالات الإختراق الأمني الأميركي لهذه الدول، وساهم تطور تقانة الإتصالات والنقل في ذلك. لكن “الديموقراطيات” المُخْتَرَقَة، مثل ألمانيا، وفرنسا، والكيان الصهيوني وسواهم، لم تقابل انتهاك استقلالها وسيادتها بأي ردع حاسم يمنع أميركا من تكراره.

تبين اتهامات أردوغان للأميركيين وشبكات صديقه السابق فتح الله غولن بالوقوف وراء الإنقلاب، أن تركيا خاضعة أيضاً، لهذا النمط من علاقات التبعية البنيوية السائدة داخل حلف شمال الأطلسي. إذ أن تشكيل الحكومة فيها، وإن اتخذ أشكالاً ديموقراطية، إلا أنه يجب أن يبقى متلائماً مع ضرورات اللحظة السياسية الأميركية. إذ تفرض هذه العلاقات “الإستقلال المقيد أو المحدود” على “الدول الديموقراطية”، ومنها، بالطبع، تركيا، تحت هيمنة “الديموقراطية الأميركية” على النظام الدولي. سوى ذلك، تحرك واشنطن أصابعها في هذا البلد “الحليف”، أو ذاك، لتطويع أي شذوذ، بعيداً عن “حكم الشعب لنفسه بنفسه”.

ليس في تركيا أردوغان ـ غولن، بل في “إسرائيل”، مثلاً. رأينا في تسعينيات القرن الماضي، أن السفير الأميركي في كيان العدو، تدخل شخصياً، مع عضوين “يمينيين” في الكنيست الصهيوني، لتأمين أصوات كافية ترجح تولي حزب العمل “اليساري” رئاسة حكومة العدو بدلاً من “ليكود”.

هناك أمثلة مشابهة حدثت في “ديموقراطيات” أخرى. لكن أوردنا هذا المثل، بالذات، لأنه يوضح أن خصوصية العلاقة الأميركية ـ “الإسرائيلية”، في السياق الأطلسي، وضمن منظومة التحالف الرأسمالي الغربي، لم تمنع أميركا، بحكم مصلحة جيوستراتيجية معينة، من توجيه دفة “الدولة” في “الديموقراطية الصهيونية”. فكيف لن تفعل ذلك مع تركيا، وهي أدنى مكانة من “إسرائيل” في التراتبية الأطلسية. بل أدنى بكثير منها، سواء أكان نظام الحكم التركي “إسلامياً”، كما هو الحال حتى الآن، أم “علمانياً، مثلما كان في الماضي.

يجب تحليل اتهامات أردوغان لواشنطن، بل للرئيس الأميركي باراك أوباما، تحديداً، ولحليفه، الذي انقلب عدواً، فتح الله غولن، في سياق علاقات التبعية البنيوية السائدة في المجال الأطلسي. بمعزل عن صدق أو كذب الرئيس “الإخواني” التركي. فما هي هذه الإتهامات وهل ستؤثر في طبيعة هذه العلاقات؟.

تمثل الوثيقة الإتهامية التي أعدتها النيابة العامة في تركيا ضد الإنقلابيين، ونشرتها وكالة أنباء الأناضول الرسمية، نقطة الإرتكاز “السياسية ـ القانونية” في رد أردوغان ومعسكره على خصومه الإنقلابيين وجمهورهم الواسع في تركيا، دولة ومجتمعا، وتسويغ حملة التطهير والإستئصال التي يشنها عليهم. ولا يقلل من القيمة السياسية والإستراتيجية للوثيقة، ميل أردوغان و”إخوانه”، جرياً على عاداتهم اللعينة، إلى “شخصنة” صراع السلطة مع فتح الله غولن، لإخفاء تمزق “الحركة الإسلامية” التركية. وأهم ما جاء في الوثيقة:

المتهمون “يعملون تحت إمرة” الإستخبارات الأميركية:
“قبلت محكمة الجزاء الرابعة في العاصمة التركية أنقرة، الجمعة 22 يوليو/تموز، لائحة الاتهام الموجهة ضد منظمة الكيان الموازي الإرهابية بزعامة فتح الله غولن. وجاء في لائحة الإدعاء التي أعدتها النيابة العامة بحق 73 مشتبها من بينهم غولن، أن المنظمة وزعيمها يعملان تحت إمرة الولايات المتحدة الأميركية، ووكالة الاستخبارات المركزية/ CIA” الأميركية.

المتهمون “يتغلغلون في دول أخرى” لصالح الإستخبارات الأميركية:
“أكدت لائحة الإدعاء أن عملاء من CIA يعملون على التغلغل في دول مختلفة وجمع معلومات استخباراتية تحت ستار مدارس تابعة للمنظمة الإرهابية في تلك الدول”.

المتهمون عملاء الإستخبارات الأميركية “يريدون السيطرة على الدولة وإدارتها خفية، وبالقوة”:
جاء في لائحة الإدعاء أن “فتح الله غولن، وجماعته، قاموا بمحاولة انقلابية حقيقية، للسيطرة على الدولة التركية، بهدف إدارتها من خلف الستار، عبر استخدام السلاح”.

المتهمون عملاء الإستخبارات الأميركية “لديهم علاقات مع الماسونيين واليهود و… الأرمن”:
“لفتت لائحة الإدعاء إلى أن إفادات الشهود أثبتت صلة منظمة فتح الله غولن/ الكيان الموازي، برؤساء اللوبي الأرمني، واليهودي، والمحفل الماسوني، وأن غولن تبادل الهدايا معهم”. وأشارت إلى “أن فتح الله غولن أسس علاقة صداقة مع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق مورتون أبراموفيتش، وأجرى لقاءات معه بين أعوام 1983 ـ 1990، ومع رئيس رابطة مكافحة التشهير اليهودية أبراهام فوكسمان. كما التقى مع بابا الكنيسة الكاثوليكية يوحنا بولس الثاني”.

المتهمون عملاء الإستخبارات الأميركية لديهم قدرات تكنولوجية متطورة لاختراق أمن مسؤولي الدولة:
بينت لائحة الإدعاء “أن الكيان الموازي تنصت بشكل غير قانوني (من خلال عناصره المتغلغلين في السلك الأمني)، على كبار المسؤولين الحكوميين، حيث استخدموا رمز ديكان لرئيس الجمهورية الحادي عشر، عبدالله غل، ورمز مكير لوزير الداخلية الأسبق، بشير أطلاي، ورمز دورصون لوزير الداخلية السابق، إدريس نعيم شاهين، ورمز أوزان لرئيس الوزراء خلال تلك الفترة، رجب طيب أردوغان”.

المتهمون عملاء الإستخبارات الأميركية، منظمون، ويريدون فرض الوصاية على الشعب والدولة :
أوضحت لائحة الإدعاء أن “هيكلية جماعة غولن في تركيا، هي نموذج جديد للوصاية، تفرضها على الشعب والدولة عبر كيان مواز”، وأشارت إلى أن “الجماعة فعلت كل الإجراءات غير القانونية من خلال امتدادها في الشرطة، والقضاء، وضمن المدعين العامين في المحاكم الخاصة”.

7ـ أن المتهمين عملاء الإستخبارات الأميركية، أي “منظمة فتح الله غولن” كان لهم سلطة على مؤسسات تنفيذ القانون :
بحسب لائحة الإدعاء، فإن جماعة غولن “لم تترك منظمات المجتمع المدني بحالها، بل حولتها إلى مؤسسات مرتبطة بها لخدمتها، حيث تغلغلت في صفوف السلك القضائي، والجيش، والأمن، والوزارات، لتتحول إلى سلطة إنفاذ القانون تحت إشراف المنظمة”.

8ـ أن تحت سيطرة المتهمين عملاء الإستخبارات الأميركية أموالاً طائلة ومؤسسات فاعلة :
 وفق لائحة الادعاء يتحكم “غولن وجماعته بثروة في تركيا والعالم تقدر بـ 150 مليار دولار، تضم بنوكا، وجامعات، ومدارس، ودور سكن للطلبة، ومعاهد للدروس الخاصة، ومؤسسات إعلامية، ومطابع، ودور نشر، وشركات شحن، وشركات أخرى”.
وقد “تقرر أن تبدأ الجلسة الأولى لمحاكمة “المتهمين عملاء الإستخبارات الأميركية” في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل”.

تدل الإتهامات على أن تركيا هي بلد أطلسي بـ”العمق”. لقد شرح رئيس الوزراء التركي السابق “الإخواني” أحمد داوود أوغلو في كتابه “العمق الإستراتيجي : موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية”، كيف أن كيان تركيا الحديثة في النظام الدولي، يرتكز على البعد الأطلسي، أولاً. ثم يأتي البعد الأوروبي وما يسمى “البعد الشرق أوسطي” الخ. كما أوضح الكتاب أن الإسلاميين الأتراك، الأردوغانيين ـ الغولنيين، هم ذوو ولاء إمبريالي غربي، خالص. وقد أداروا ظهورهم للبعد الأوراسي الثالث، والبعد الأفروآسيوي الرابع، في الجيوبوليتيك “الطبيعي” التركي.

لا تعني لائحة الإتهامات أن أردوغان قرر تحرير بلاده من علاقات التبعية السائدة في المجال الأطلسي. فـ”الإخوان” الأتراك، وكذلك العرب، لا تعنيهم، حقا لا تعنيهم، قضايا الإستقلال الوطني والتحرر القومي، وليس بين أيديهم سوى البرنامج السياسي المعروف ذي البند الوحيد: استلام السلطة. تؤيد ذلك جملة الوقائع المعروفة عن تحالف جماعة رجب أردوغان مع جماعة فتح الله غولن، منظمة عملاء الإستخبارات الأميركية، لقيام “الحكم الإخواني” في تركيا.

إن اتهامات أردوغان للغولنيين بأنهم منظمة عملاء الإستخبارات الأميركية، وهي كذلك فعلاً، وهو وحزبه كذلك فعلاً، تُدْرَجْ في نطاق التنازع المحلي على السلطة. وهي لن تقود إلى تغيير في برنامج الحكم “الإخواني” ذي البند الوحيد، الذي يحمي علاقات التبعية التركية مع الأطلسي ويضمنها. لقد دعمت أميركا ـ “إسرائيل” هذا البرنامج “الإخواني”، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، ولا زالت تؤيده، لأنه شكل وما زال جوهر ما أطلق عليه بعض “التركولوغ” العرب، ذات يوم، “النموذج التركي” للحكم في (بعض) الدول العربية.

إن نزاع أردوغان وحزبه مع غولن وجماعته واتهامهم بالعمالة للولايات المتحدة، يبرر انشراح صدور القوميين العرب بأنباء الإنقلاب العسكري ضد الرئيس التركي، الذي “نجح ولو فشل”، حسبما كتب أحد أولئك الـ”تركولوغ” متحسراً. كما يؤيد شكوكهم بأن الإستخبارات الأميركية هي التي اخترعت “النموذج التركي”، وطلبت إلى عملائها ترويجه، بل تسويقه لدى الرأي العام العربي.

هيئة تحرير موقع الحقول
الإثنين‏، 20‏ شوال‏، 1437، الموافق ‏25‏ تموز‏، 2016