السفارة البريطانية في بيروت تنتحل دور “الحزب السياسي”!

السفارة البريطانية في بيروت تنتحل دور “الحزب السياسي”!

بريطانيا : جونسون خسر الإنتخابات المحلية بسبب الفساد والإفقار
افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 8 كانون الأول، 2020
افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم السبت 5 كانون الأول، 2020

أنفقت بريطانيا عشرات ملايين الدولارات من الأموال العمومية على مشروع مراقبة الحدود البرية بين لبنان وسوريا”. ويوصف هذا المشروع بأنه نوع من “الحرب الإستباقية”، يهدف إلى دعم القوات المسلحة اللبنانية” [1]. لكنه في الواقع، يمثل جزءاً من خرائط هندسة التخريب الإجتماعي ـ السياسي وعملياتها التي تنفذها سفارة بريطانيا في بيروت وأجهزة الإستخبارات البريطانية ضد لبنان.

نخمن أن هذه العمليات ضخمة. مثلاً، لدى “غوغلة” / Googalisation اسم السفير السابق كريس Rampling / رامبلينغ، نعثر على أكثر 150 الف رابط[2] / Links بشأنه. يمكننا بالتنقية العشوائية لهذه الروابط، بحذف التكرار والمتشابه، أن نختزلها إلى 10 ـ 20 ألف خبر. هذا الرقم السبراني الهائل، يرسم  انطباعاً واقعياً، عن لفافة الدعاية الكثيفةالتي لحف بها هذا الـ”رامبلينغ” وفريقه أهداف الحرب السرية البريطانية في “وطن الأرز”.

ماذا تريد بريطانيا في لبنان؟
تنقسم أهداف “التاج البريطاني” بين ثلاثة محاور، تمس بالأمن الوطني اللبناني وتخربه، وهي :

ـ الأول : دولي، لضمان التفوق الغربي على لبنان.
تنفذ بريطانيا استراتيجية قومية ودولية مشتركة مع الولايات المتحدة وبقية دول تحالف “العيون الخمسة”. وهذه الإستراتيجية موجهة ضد كوكبة الدول المستقلة[3]، مثل روسيا والصين وإيران وسوريا وكوبا وفنزويلا وكذلك ضد حركات المقاومة في المشرق العربي، بما فيها لبنان. ضمن هذه الإستراتيجية القومية وما فوق القومية، تستهدف بريطانيا لبنان، بكل وسائل “الحرب الهجينة” التي تتناسب مع موازين القوى الراهنة، خصوصاً عبر الحرب السرية[4]. والهدف الرئيسي لهذه الحرب إبقاء الدولة اللبنانية في حال التبعية للقرار الإمبريالي الغربي، والنظام الرأسمالي العالمي، ومنع الشعب اللبناني من كسر قيود التبعية ضدهما. أكثر ما يتجلى هذا المنع، بالجهود التي تنفقها بريطانيا للتدخل في العلاقات الحدودية بين لبنان وسوريا، بتمويلها بناء أبراج عسكرية ونصب أجهزة مراقبة على الحدود الشمالية والشرقية اللبنانية ـ السورية. ومع أن هذا التدخل يتم تحت لافتة دعم الجيش، فإن هدف التدخل هو مطلبٌ “إسرائيلي”. لأن إغلاق هذه الحدود أمنياً وعسكرياً، هو معطى جيوبوليتيكي، فشلت “إسرائيل” (وقوى اليمين اللبناني) بفرضه على دمشق وعلى قوى المقاومة الوطنية، أثناء وبعد غزو الجيش الصهيوني لبنان في عام 1982[5]. واليوم، بعد أربعين عام ونيف، تريد بريطانيا تحويل فشل “إسرائيل” في عزل لبنان عن سوريا إلى انتصار لـ”إسرائيل” يحقق مرادها القديم. وهي تقوم بذلك خلسة، حيث يدعي البريطانيون أن تدخلهم في ملف الحدود مع سوريا، قد “أحدث تحولا كبيرا في قدرات فرق الأمن اللبنانية”[6].

 

ـ الثاني: إقليمي، لتأمين تفوق “إسرائيل” واستقوائها على لبنان.
تستمر بريطانيا بإستضعاف المقاومة الوطنية ضد الكيان الصهيوني الذي يحتل أراضي لبنان ويهدد أمنه[7] ويستبيح سيادته[8]. وقبل شهور قليلة، قررت بريطانيا أن حزب الله، وهو طليعة قوى المقاومة الوطنية، منظمة إرهابية[9]، وأنذرت سفارتها في بيروت، منظمات “متعاونة” معها، بضرورة تنفيذ هذا القرار[10]. وبعد انتخابات 2018 التي أتت ببرلمان لبناني ليس للولايات المتحدة وبريطانيا الغلبة فيه، تدافعت كلتا الدولتين إلى “العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين”[11]، لإحباط نتائج تلك الإنتخابات. وبالفعل، فبعد اندلاع “الحراك الشعبي الوطني” يوم 19 تشرين الأول 2019، ضغطت لندن وغيرها من العواصم الإمبريالية نحو إجهاض هذا “الحراك” الجذري. ودعمت حراكاً طائفياً ـ مذهبياً بدلاً منه، كانت تسيطر عليه قوى اليمين اللبناني القديم والجديد[12]. وقد ساهمت بريطانيا في تشجيع هذه القوى الرجعية على التلاعب السياسي والطائفي ـ المذهبي بالأزمات الإجتماعية، كما على الإستثمار السياسي في مآسي الإنهيار الإقتصادي والمالي الذي نجم عن أزمة النظام اللبناني. لكي تلقى على كاهل المقاومة الوطنية، لا سيما حزب الله، مسؤولية الإنهيار وتبعاته. ويكشف إصرار بريطانيا على إرغام لبنان على تنفيذ “برنامج صندوق النقد الدولي”، وحصره في دائرة النفوذ الغربي، بعيداً عن التوجه شرقاً لمعالجة أزمته، عن قرار بريطاني استراتيجي يقضي بإنهاك البيئة الإجتماعية ـ السياسية للمقاومة[13]. ومن المؤكد أن هذا الإستضعاف البريطاني للمقاومة يؤدي إلى تحقيق الهدف “الإسرائيلي” ذاته. فأجهزة الكيان الصهيوني، لا تكف عن التخطيط والعمل لعزل قوى المقاومة الوطنية وتهديد حواضنها الإجتماعية ـ السياسية[14].

 

ـ الثالث : محلي، بانتحال السفارة البريطانية دور “الحزب السياسي” في لبنان.
تنتحل السفارة البريطانية في بيروت، بعض صفات “الحزب السياسي” الوطني، لا سيما “مكتب المشاريع” فيها، الذي يزعم أنه “يهتم بايجاد البيئة المناسبة للاصلاحات السياسية لتقوية عمل القضاء والأمن، وبناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة عبر المساءلة والمحاسبة لتأمين أفضل الخدمات وخلق فرص للتنمية والتطوير”[15]. السفير رامبلينغ نفسه، شارك في هذا الإنتحال. فقبل مغادرته منصبه في بيروت، حسم نتائج التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بأن كتب قائلاً : “لم يسبب لبنان أزمة اللاجئين كما أنه لم يسبب أزمة كورونا، ولكن قد كانت الأزمة الاقتصادية وانفجار 4 آب (في المرفأ) من صنع محلي”[16]. كذلك، حرض رامبلينغ في بضع كلمات، على سلاح المقاومة وتفاءل بـ”التطبيع” الجاري مع العدو الصهيوني، ودعا قوى اليمين إلى التمرد على الدستور اللبناني، الذي يشرَّع مقاومة الإحتلال الصهيوني، قال : “لم أذكر حزب الله أو التطبيع [مع “إسرائيل”] الذي يغير وجه المنطقة. البطريرك الراعي على حق حين نادى مرة أخرى بالحياد [الإقليمي]” [17]. ثم تابع رامبلينغ محرضاً اللبنانيين على الإقتتال فيما بينهم، ومندداً بمشاركة قوى وطنية لبنانية، في القتال على الأراضي السورية ضد مجموعات الإرهاب التكفيري. فقال : “لا يمكن لدولة تصبو فعلا للاستقرار والأمان أن يكون لها أسلحة خارج سلطة الدولة وبخاصة حين تستخدم هذه الأسلحة خارج حدود هذه الدولة. وعدم اتخاذ موقف في هذا الخصوص هو تماما ما يحول دون ذلك”. هكذا، نفهم أن سفارة بريطانيا تشترط على اللبنانيين أن ينزعوا سلاح المقاومة الوطنية للإحتلال “الإسرائيلي”، لكي تكون لهم “دولة الاستقرار والأمان”[18]، أو أن يحرصوا على هذا السلاح الذي يُقلق “إسرائيل”، فلا يكون لهم “دولة الاستقرار والأمان”. يكذب “الحزب البريطاني” حينما يعلن أنه “يهتم بايجاد البيئة المناسبة للاصلاحات السياسية”[19] في بلدنا. “الحزب البريطاني” ينفذ خرائط هندسية بريطانية ـ “إسرائيلية” لتخريب دولة لبنان وتدمير مجتمعه.

هيئة تحرير موقع الحقول
الجمعة‏، 06‏ شعبان‏، 1442، الموافق ‏19‏ آذار/ مارس‏، 2021

[1]  بريطانيا تعيد الحدود الشرقية إلى قبضة الجيش اللبناني. تقرير نذير رضا من بيروت، منشور في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، يوم السبت 27 نيسان/ أبريل 2019

[2]  للإطلاع، الرجاء أن تتفضلوا بالضغط على هذا الرابط/ link.

[3]  تقرير كفاية أولير. منشور في موقع صحيفة “أندبندنت” باللغة العربية، يوم 8 حزيران / يونيو 2020.

إقرأ أيضاً :

ـ تقرير الراديو البريطاني، منشور باللغة العربية، يوم 10 نيسان / أبريل 2018، على هذا الرابط.

[4]  للإطلاع على مشاركة بريطانيا وبقية “العيون الخمسة” في الحروب السرية. أنظر :

ـ جرائم “الحروب السرية” : “وكالة الإستخبارات المركزية” الأميركية / CIA تقتل المدنيين … عن بعد؟. دراسة نشرها “مركز الحقول للدراسات والنشر”، في موقع الحقول، يوم الخميس، 31 آب/ أغسطس، 2017.

[5]  أشار آلان مينارغ، مؤلف كتاب أسرار الحرب الأهلية، إلى هذا “الفشل الجيوبوليتيكي” في مقابلة مصورة بثت عام 2012.

[6]  “ذهب وزير شؤون الشرق الأوسط، جيمس كليفرلي، في زيارة إلى لبنان في 2 ـ 3 كانون الأول/ ديسمبر 2020. التقى السيد كليفرلي فرقة الحدود البرية المسؤولة عن الحفاظ على أمن الحدود اللبنانية السورية. هذا البرنامج، الذي تدعمه المملكة المتحدة، أحدث تحولا كبيرا في قدرات فرق الأمن اللبنانية”. منشور على صفحة وزارة الخارجية البريطانية، يوم 16 كانون الأول / ديسمبر 2020، تحت عنوان : لبنان: زيارة وزير شؤون الشرق الأوسط.

[7]  رئيس أركان الجيش الصهيوني غادي إيزنكوت : “إسرائيل عليها أن تلجأ في المواجهة إلى اعتبار كلّ لبنان ضاحية جنوبيّة.. لن يردع إسرائيل أيّ شيء، وسنضرب آلاف المواقع والأهداف في لبنان”. الوكالة الوطنية للإعلام، 2 كانون الأول/ ديسمبر، 2014.

[8]  قائد الجيش العماد جوزف عون مخاطباً العسكريين في عيد الإستقلال : كونوا “على يقظة وجهوزية تامة. العدو الإسرائيلي يهدد بالاعتداء على لبنان، وأن نواياه العدوانية لم تتوقف”. وكالات، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2020.

[9]  قال متحدث باسم وزارة الخزانة البريطانية إنه : “بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حاليا للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية … وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة في عام 2019. والتصنيف الموجود حاليا للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي”. وأضاف المتحدث : “لا تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين”. الخبر منشور على موقع الراديو البريطاني، يوم 17 كانون الثاني/ يناير، 2020

[10]  “رسالة” بريطانية تخترق السيادة اللبنانية. تقرير علي نصَّار في صحيفة الأخبار، يوم 24 تموز/ يوليو 2020. وكذلك في موقع IMLEBANON.

[11]  قال متحدث باسم وزارة الخزانة البريطانية إنه : “بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حاليا للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية … وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة في عام 2019. والتصنيف الموجود حاليا للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي”. وأضاف المتحدث : “لا تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين”. الخبر منشور على موقع الراديو البريطاني، يوم 17 كانون الثاني/ يناير، 2020

[12]  للإطلاع على قراءة مفصلة عن الدور الأميركي والغربي في هذا التحول ونتائجه، راجع :

ـ الحراك الشعبي الوطني وأخطار المناورة الأميركية حول بيروت وجبل لبنان. موقف هيئة تحرير موقع الحقول، منشورة في موقع الحقول، يوم 24 تشرين الثاني / نوفمبر، 2019.

[13]  قال “السفير البريطاني كريس رامبلينغ مودعا لبنان بنداء الى القادة [اللبنانيين]: ستحاكمون على ما فعلتم : على لبنان أن يعيد بناء نموذجه الاقتصادي (خريطة طريق صندوق النقد الدولي هي الصحيحة) وأن يؤمن إطار عمل مستدام وجذاب. توجه جديد يتناول الصناعة والتكنولوجيا والسياحة. والوصول إلى ذلك يتطلب أكثر من استراتيجية: فالكهرباء دليل على أن التنازلات السياسية المطلوبة للتنفيذ تشكل أكبر التحديات. فمع توافق وطني جديد وتركيز على النتائج وعلى التخطيط، يتضافر شعبكم أنتم مع أصدقائكم الدوليين لتغذية هذا النمو من جديد. وتكون إذاك الصفقة التجارية البريطانية ـ اللبنانية في قلب هذا الحدث”. “النداء” منشور على موقع بيروت أوبزرفر، يوم 18 كانون الأول/ ديسمبر، 2020.

[14]  رئيس أركان الجيش الصهيوني غادي إيزنكوت : “إسرائيل ستقصف القرى والبيوت في الجنوب اللبناني”. الوكالة الوطنية للإعلام، 2 كانون الأول/ ديسمبر، 2014.

[15]  هذا التقديم الفاقع لدور “مكتب المشاريع في السفارة” منشور على صفحة سفارة بريطانيا في لبنان على شبكة إنترنت.

[16]  “السفير البريطاني كريس رامبلينغ مودعا لبنان بنداء الى القادة [اللبنانيين] …” مرجع سابق.

[17]  المرجع السابق.

[18]  المرجع السابق.

[19]  هذا التقديم الفاقع لدور “مكتب المشاريع في السفارة” منشور على صفحة سفارة بريطانيا في لبنان على شبكة إنترنت.