ما الأهداف الأميركية الجديدة في الأردن

ما الأهداف الأميركية الجديدة في الأردن

وصول إرهاب المسلحين التكفيريين إلى العاصمة الأردنية عمان، هو نذير شؤم بالغ السوء، خاصة إذا ما اتضح أنهم فلسطينيون.

قضايا " الثورة اللبنانية" : كيف تنظر "إسرائيل" الى مستقبل الحراك في لبنان؟ (4)
سبعون عاما.. وخمسون.. وأربعون..! فرصٌ ضاعت وفرصٌ أخرى تلوح فى الأفق
Our Precarious American Democracy Extreme Polarization and Alienation in Our Politics

خاص ـ الحقول / الوطن العربي : أصيب الأردن بـ”نيران صديقة” أطلقتها عليه إدارة الرئيس دونالد ترامب. فقد تبين أن تعهد الإدارة الأميركية السابقة بتقديم معونة مالية مباشرة إلى الخزينة الملكية، بات “كلاماً مكتوباً على لوح الثلج” عند إدارة ترامب، بينما العرش الهاشمي “عَطِشٌ” إلى التمويل الخارجي.

وترى أوساط ديبلوماسية عربية أن الشح المالي سيجعل الملك أشد قلقاً على أمن النظام ومصير الدولة، لا سيما وأن “بخل ترامب” على عبدالله الثاني، قد لا يكون بسبب “عادات رجل البيزنس”، وإنما بفعل الأهداف الجيوستراتيجية التي أعلنها بشأن الفلسطينيين في قطاع غزة.

زوال التناغم بين السياسات والمساعدات

جفت “أرزاق” أعوان الولايات المتحدة في الخارج، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب “تجميد” عمل “وكالة التنمية الدولية” مدة 90 يوماً، بدأت مطلع الشهر الماضي. فمثلاً، المملكة الأردنية الهاشمية كانت تنتظر معونة مالية أميركية بقيمة 1450 مليون دولار هذه السنة.

أقرت هذه المعونة في مذكرة تفاهم بين حكومة الملك وإدارة الرئيس السابق جوزف بايدن، في شهر ايلول 2022. وبموجب المذكرة يتلقى الأردن مساعدة مالية سنوية ما بين عامي 2023 ـ 2027. وتتدرج من 1450 مليون دولار إلى 2100 مليون دولار عام 2025.

وما فعله بالأردن ليس مفاجئاً. فالرئيس ترامب “مشهور” بنقض الإتفاقات المعقودة مع الدول “الحليفة” والدول “المعادية”. ولكن تمزيق تلك العهود والمواثيق المعقودة لم يكن مزاجياً. بل تنفيذا لبرنامج “تيار ماغا /MAGA” الذي يحكم السياسة الترامبية في أميركا والخارج.

كان نظام الحكم الأردني يتوقع أن تستثنيه إدارة ترامب من هذا القرار، أسوة بـ”إسرائيل”. نظراً لكونه “حليفاً” قديماً للأميركيين. وقد خاض معهم في كل الحروب التي أشعلوها في المشرق العربي بعد نهاية “الحرب الباردة”، من فلسطين فالعراق إلى لبنان وسوريا، فالشرق الإسلامي أيضاً.

لقد “أدمن” النظام الهاشمي المساعدات المالية والعسكرية والإقتصادية الأميركية منذ عام 1951، حينما تلقاها لأول مرة. كانت الإمبراطورية البريطانية قد دخلت طور الزوال، بعد الحرب العالمية الثانية، وقد ورثت الولايات المتحدة الأميركية معظم “أملاكها” ومنها : الأردن.

بلغت قيمة المساعدات الأميركية للأردن منذ بدئها حوالى 30 مليار دولار. أنفقت على تمويل “التعاون العسكري” بين واشنطن وعمان. وكذلك على جزء من الإنفاق المدني من الموازنة العامة. وهي تساوي 85 % من مجموع المساعدات الخارجية التي تتلقاها عمّان.

ويلاحظ تقرير البنك الدولي ـ صيف 2024، أن “الآفاق الإقتصادية للأردن على المدى المتوسط مثقلة بعدم اليقين”. وهذا التخمين المتشائم يبنيه التقرير على مؤشرات إحصائية سلبية، منها “بقاء الدين العام مرتفعاً في المدى القريب” و”تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي” و”الإستدانة من الأسواق الخارجية لتمويل عجز الموازنة (34,5%)، والبطالة (22 %) وتراجع النمو الإقتصادي.

يدرك الأميركيون تمام الإدراك، حيوية المساعدة المالية المباشرة التي يقدمونها للعرش الهاشمي وأن قرار الرئيس ترامب بوقفها، سيعجل ديناميك التدهور العام في الأردن. ما يشير إلى زوال التناغم بين أهداف السياسات الأميركية وأهداف المساعدات الأميركية.

لماذا كسر ترامب “العادات المألوفة”؟

إن قرار ترامب حجب المساعدات المالية عن المملكة الأردنية رغم الظروف الإجتماعية والإقتصادية والمالية الصعبة التي تعيشها، لا يتصل بـ”عادات رجل البيزنس”، وإنما بالأهداف الجيوستراتيجية الطموحة التي رسمها “تيار ماغا” لأميركا في كل أرجاء العالم.

وفق منطق العادات المألوفة في العقود الخالية، ليس غريباً أن “يتوهم” الملك الأردني بأن نظام حكمه مؤهل لنيل الإمتياز المالي الذي حصلت عليه الحكومة الصهيونية في فلسطين المحتلة، إذ استثنتها إدارة ترامب من قرار حجب المساعدة المالية. لكن “الإصلاح الترامبي” كسر هذا المنطق.

فإصابة الأردن بـ”نيران صديقة” لم تحدث بالخطأ، وإنما عمداً. لأن إعلان ترامب عن مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأردن أو مصر ـ بل وسوريا والسودان والصومال، حسبما كُشِفَ بالأسبوع السابق ـ هو جزء من استراتيجية إعادة ترتيب “الإقليم الشرق أوسطي”، على محصلة أرباح وخسائر حروب العقدين الماضيين.

وتقول الاوساط الديبلوماسية العربية إن إدارة ترامب بقرارها إهمال حاجات “الحليف” الأردني المالية، قد مشت خطوة ابتدائية initiale في تشكيل مسار تصاعدي ضاغط، داخل الأردن. لكي يصير أشد طواعية لمشروع تهجير الفلسطينيين من غزة ومن الضفة الغربية الفلسطينية إلى الضفة الشرقية الأردنية أيضاً.

وتتحدث هذه الأوساط عن “طبخة” تجبر الأردن من خلال إضعاف الأمن فيه، على التنازل عن السيادة واستقبال اللاجئين من فلسطين. فمن خلال الضغط الداخلي سوف تتكون ظروف اجتماعية وسياسية تسمح بتكرار “السيناريو السوري” في الأردن. حيث ينهار الحكم الهاشمي، من دون أن يمس ذلك، بالمهام الجيواسترتيجية الأميركية التي يؤديها النظام الأردني الحالي، ومنها : “استضافة” القواعد الأميركية وتمديد خطوط نقل النفط والغاز في أراضيه إلى الأسواق الغربية.

وترى الأوساط المذكورة أن وصول إرهاب المسلحين التكفيريين إلى العاصمة الأردنية عمان، هو نذير شؤم بالغ السوء، خاصة إذا ما اتضح أنهم فلسطينيون. فقد جلبت عصبة منهم، مؤلفة من سبعة أشخاص، العصي والسكاكين إلى دار القرآن في مسجد دار ورواق الإمام أحمد الرفاعي في منطقة أم كفير في البنيات، واعتدوا على المصلين فيه، وخلعوا احجبة النساء المصليات، وضربوهن، وهم يصرخون: “يا صوفية يا كفرة”.

ورغم مسارعة قوات الأمن إلى ملاحقة مرتكبي هذا الحادث الإرهابي الذي وقع يوم الجمعة الماضي، إلا أن البحث عن العناصر التي نفذت الجريمة، لا يوصل إلى تقدير صحيح للموقف الناشئ. فهناك علاقة قديمة بين المجموعات السلفية التكفيرية عبر الحدود، وبعضها معلق بأصابع تل أبيب وواشنطن.

و”الطبخة” التي تعدها واشنطن وتل أبيب، تأتي بالنفع على بعض العواصم، لا سيما أنقرة. فالنخبة “العثمانوية” في تركيا، تجاهر بالأطماع الجيوستراتيجية التي تروم إليها في دول المشرق العربي. وهناك كلام في الخفاء عن أن “استعادة” المسجد الأموي في دمشق، قد هوَّن “استعادة” مكة والمدينة من العرب. والأردن طريق سهل إلى الحرمين.

إن حرمان إدارة ترامب للمملكة الأردنية من المساعدة المالية السنوية، وهي بالمناسبة كانت ستبلغ 10 مليارات دولار، ما بين عامي 2023 ـ 2027، يمهد لظروف تحويل الأردن إلى “الدولة الفلسطينية” الموعودة. وتشدد الأوساط الديبلوماسية العربية، على أن ضم “إسرائيل” للضفة الغربية، قد بدأ فعلياً، وكذلك، تهجير الغزاويين. والكيان الفلسطيني الذي سيقوم في الضفة الشرقية لنهر الأردن، بدلاً من المملكة الأردنية الهاشمية، لن يحظى باعتراف أميركي وأوروبي.

ونفهم من امتناع ترامب عن دعم الخزينة الملكية الأردنية بهذه المساعدة الضئيلة وهي 1450 مليون دولار، فيما حصلت “إسرائيل” على 22000 مليون دولار (حتى شهر آب) عام 2024، ان الولايات المتحدة الأميركية تدفع بالوضع الإجتماعي ـ الإقتصادي في الأردن إلى التدهور، وتهدد الأمن السياسي الداخلي فيه.

 

مركز الحقول للدراسات والنشر

‏الأحد‏، 17‏ رمضان‏، 1446 الموافق ‏16‏ آذار‏، 2025

Please follow and like us:

COMMENTS