القيامة الآن …

القيامة الآن …

قمة جدة 2023 : “النظام الرجعي في قطر” غافل عن “عالم فوكا”!
أوروبا تحتاج إلى نسخة من "وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة" الأميركية
سانا : “لا صحة لكل ما تم نشره حول عودة أي علاقات” بين سوريا و”حماس”

كتبت الأستاذة اعتدال الحسن / الحقول ـ سوريا : لا اقصد حكماً الفيلم الأمريكي الشهير 1979 للمخرج “فرانسيس فورد كوبولا” والذي تدور احداثه خلال حرب فيتنام والحاصل على جوائز عدة. ولا اقصد علامات يوم القيامة الصغرى والكبرى. فكلنا نعرفها ونقرأ عنها ومنها ما ظهر ولا يزال يظهر ومنها ما لم يقع إلى الآن.

ولكنني اقصد يوم محدد وهو ما حدث معي صباح يوم الأربعاء 29 آذار 2017 :

قامت “قوات التحالف الأمريكية” بقصف غرف التحكم الكهرومائية في سد الفرات .. في هذا اليوم المشؤوم، استيقظت على اصوات بكاء وصراخ وعويل فمآذن الجوامع ومكبرات سيارات داعش أو”القافلة الدعوية”، كما يسمونها الدواعش، تنادي وتقول :

“انفروا ….. انفروا … إلى الجبال فقد قصف الكفرة سد الفرات وستغرقون”.

فتحت النافذة طبعاً، بعد ان ارتديت لباسهم الشرعي كما يصفونه. حالة مفاجئة من الخوف الشديد والهلع تخيم على الدنيا كلها وكان الجو كله يضج صراخاً وأنيناً وولولات النسوة وبكاء أطفال لا يعلمون ما الحكاية ؟؟!!.

بدأ قلبي بالتسارع دون ادنى إنذار شعرت أنني لم أعد أستطيع التنفس وبدأت بالتعرق وتأكدت بأنني لم أكن الوحيدة التي تعاني من ذلك.

جاري أبو محمود النازح مع عائلته من حلب يصرخ ويقول : “لك خيتي وين دا اروح وين أعلى جبل عنكن” وأم محمود تصرخ : “استنى بس اطفي النار على اليبرق”

لم ينتظر ان يسمع مني أي كلمة ركض ممسكاً بطفله الصغير وعائلته خلفه.

كل اهالي العمارة التي أقطن فيها يركضون ويصرخون : “عجلي … الحز (الآن) نغرق. المي راح توصل”.

في هذه الأثناء دخل أصدقائي وهم بمثابة أهلي. أبو سامر يرتجف وصفرة تعلو وجهه يصرخ ويقول : إلبسي بسرعة راح نطلع على الجبل بالسحل (قرية على مرتفع مقابلة للرقة)، وأنا رايح أجيب سيارتي وبناتي وآجي .. عجلي. ام سامر تصرخ بي : “عدول عجلي”. وأنا كنت أحاول أن أربط حذائي فقط. لكني شعرت وقتها بأن يدي خانتني. فالخوف إذا تطور وخرج عن إطاره المألوف يصبح كارثة … لم تنتظرني أم سامر وقالت : “الحقيني .. نستناكي عند دوار النعيم” (المسافة قريبة من بيتي بشارع تل أبيض).

نزلت ووصلت عند مدخل العمارة. تزاحم فظيع للسيارات لا أحد يقف .. الكل يركض لإنقاذ عائلته.

صديقة في الحارة وهي طبيبة أسنان، روت لي بعد فترة بأنها عندما سمعت اصوات المكبرات تنادي تركت المريضة وهرعت إلى سطح البناية .. الطابق السابع .. فربما اعتقدت انها ستنجو. “في هذا اليوم نسي الكل ملامح من يحبونهم”.

و كنت اتساءل ما الذي يحدث؟ أين سأذهب؟ ماذا سيكون من أمري أنا؟.

كنت اتمنى ان اصرخ فيهم : “قفوا إلى أين أنتم راحلون”.

لقد أقفرت المدينة …

في هذه اللحظة نزل جاري أبو ينال وزوجته الوحيدين في العمارة الذين لم يغادورا. وقال : “وين راح نروح؟”.

وقتها وعلى رأي المثل : “راحت السكرة وأجت الفكرة”.

أجبته : “معقول!؟. لو فجروا السد كان غرقنا من زمان لن يستغرق وصول المياه اكثر من نصف ساعة”.

ضحكت بيني و بين نفسي بأن الإنسان نجح في اكتشاف الكون ولكنه عجز ان يكتشف في تلك اللحظة ان النهر لا يزال صامداً.

عدنا انا وأصدقائي إلى المنزل. وفي المساء بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى المدينة.

في الحياة نتعلم الكثير من الدروس ولكن لا نعرف ابدا ما يخبئه هؤلاء الوحوش القتلة.

في الايام الاولى تأكدنا وشاهد الكثير، أنها كانت فرصتهم الذهبية لسرقة المحال التجارية والبيوت. ولكن الطامة الكبرى عندما علمنا بعد فترة، أن سبب هذه التمثيلية وهذا السيناريو الخيالي وجود ابو بكر البغدادي وبعض قادته في مدينة الطبقة (“الثورة”). وقرب وصول “قوات سورية الديمقراطية” لقتال الدواعش. فلم يجدوا سبيلاً إلى هربهم مع عامة الشعب إلا بهذه الحيلة الذكية وكان لهم ما أرادوا.

“لقد برعوا في خداعنا”. وخوفنا منهم لم يجلب لنا إلا مزيداً من الخوف.

ربما تغلبت على هذه الأزمة ولم اجعلها تتغلب علي. فلا قيمة للحياة إلا إذا وجدنا فيها شيئاً نناضل من أجله

فبالحق نعيش وليس بالخبز وحده، أبدا.

 

اعتدال الحسن، كاتبة وناشطة عربية من سوريا

‏‏الإثنين‏، 02‏ شوال‏، 1446 الموافق ‏31‏ آذار‏، 2025

Please follow and like us:

COMMENTS