خاص ـ الحقول / الوطن العربي : يضغط حلف شمال الأطلسي على “السيادة الوطنية” للدول العربية بالقواعد العسكرية المتمركزة على أراضيها. وتنشر المصادر الأميركية تقارير وخرائط مفصلة توضح حجم الكتلة العسكرية والحربية الأميركية والأطلسية الجاثمة على الوطن العربي. وتعترف المصادر العربية بأن تشييد هذه القواعد “تم بموافقة حكومة كل دولة تنتشر فيها، باستثناء سوريا” في عهد النظام السابق.
يُبَرّر وجود هذه القواعد ببعض الحجج مثل “محاربة جماعات الإرهاب التكفيري” أو “تقديم المشورة العسكرية للقوات المحلية”، أو “التدريب” التعليمي أو “المناورات العسكرية”. إلا أن حجة “طمأنة الحلفاء” تبقى الذريعة الكبرى التي تروج وتعرض في الإعلام العربي والغربي. وكأنه لا توجد سبل أخرى للدفاع عن سلامة وسيادة هذه الدول غير “الاستعانة” بالقوات الأطلسية.
وتبين الأحداث السياسية التي شهدها الوطن العربي والإقاليم المجاورة له وفي العالم، أن الدول العربية التي “آوت” القواعد الأميركية والأطلسية على أراضيها ترهن “حقوق السيادة” للقوى الخارجية. لأن تلك الحجج، لا سيما “طمأنة الحلفاء”، تخفي الدوافع الأساسية لإنشاء تلك القواعد، كما تخدع الجمهور العربي بشأن المكاسب الفعلية التي يجنيها العرب منها.
- لماذا أنشأت الولايات المتحدة الأميركية القواعد العسكرية في الخارج
لقد أنشئت القواعد العسكرية الأميركية في الخارج لتأمين المصالح الأميركية في الخارج، بالتهديد بالحرب أو بشن الحرب. وهذه هي المهمة الإستراتيجية الجوهرية للجيش الأميركي خارج بلاده، سواء في يسمى “منطقة الشرق الأوسط” أو أي منطقة أخرى في خريطة العالم.
ينطبق هذا التعريف البسيط على الوجود العسكري الأميركي في اوروبا وإفريقيا وآسيا. وبالطبع، في الدول العربية التي تُدْرَجُ في قاموس التخطيط الأميركي ضمن ما يسمى “الشرق الأوسط”. وتتنوع المصالح الأميركية على أرجاء هذه الجغرافيا الشاسعة، خصوصاً الجغرافيا العربية. إلا أنه يمكن اختصارها في اثنتين منها:
المصلحة الأولى هي حماية الأرباح الأميركية في الحرب العالمية الثانية، وأهمها نظام الهيمنة الإمبريالي القاري والبحري والجوفضائي الذي شيدته الولايات المتحدة حول الكرة الأرضية. والركائز المادية لهذا النظام، هي القواعد العسكرية البرية والجوية والصاروخية التقليدية والنووية في أميركا والخارج.
المصلحة الثانية، هي ضمان السيطرة الأميركية على شبكات النقل القارية والبحرية والجوفضائية والسبرانية، وهي معابر الجيوش والأمن والسلع والمواد الأولية وسلاسل التوريد وحركة الهجرة والسفر إلى “السوق العالمية” والأسواق الدولية المتعددة القوميات. بحيث تراقب هذه القواعد قنوات انتقال وتبادل “الثروة العالمية” وتتسلط عليها.
في النظام الدولي الغربي فإن جيوش الدول الغربية الأطلسية وما حول الأطلسية مثل كندا وأستراليا والدول الإسكندنافية تتشارك مع الجيش الأميركي في تنفيذ مهمة تأمين المصالح الأميركية والغربية في الخارج، ولكن من موقع التبعية للقوة الأميركية المهيمنة، حيث القرار لواشنطن في تقرير أولويات التخطيط والإعداد والتنفيذ، مثلما برهن التنازع الأورو ـ أميركي الحالي بصدد “المسألة الأوكرانية”.
- ثانياً، نتائج اختبارات “طمأنة الحلفاء” العرب
وفي الدول العربية تَعِدُ واشنطن الحكومات والجمهور، عبر وسائل الإعلام العامة والخاصة التي تمول من الخزينة الأميركية أو من الشركات الأميركية والغربية، بأن مهمة القواعد العسكرية المنتشرة على اراضيها، هي “تقديم المساعدة إلى الحلفاء” العرب. لكن نتائج اختبارات “الوعد الأميركي” التي جرت مؤخراً، جاءت سلبية … بالمطلق.
في سوريا الجديدة، مثلاً، نجد أن ارتهان “حقوق السيادة” لقرار واشنطن كان فاضحاً. فالقواعد الأميركية والغربية في شمال شرق سوريا، لم تمنح “الحلفاء الأكراد” أي “مساعدة” كما وعدتهم. ولقد رأينا كيف أن الميليشيا الكردية الإنفصالية / قسد، قد خضعت للأميركيين ووقعت مع الحاكم السوري الإنتقالي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) اتفاقاً مشتركاً، ينص على الإندماج إدارياً وعسكرياُ وأمنياً في هيكل النظام الإسلامي السوري الذي يضم أعداءها (السابقين) الإرهابيين التكفيريين من “هيئة تحرير الشام”.
كذلك نظام أحمد الشرع في دمشق، الذي تديره تركيا “الأطلسية”. فإنه تعامى عن الإحتلال الأميركي للأراضي السورية وطلب “الشراكة” مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. كما خاف من جيش العدوان “الإسرائيلي” الذي وسع مساحة احتلاله في الأراضي السيادية للجمهورية العربية السورية. واكتفى بمطالبة “المجتمع الدولي” بتوفير “الحماية” لهذه الأراضي من تسلط وعدوان “إسرائيل”. بالمقابل، رأينا الشرع يرسل جنوده إلى شمال شرق لبنان، لاحتلال أراضي “الدولة الشقيقة”، ويحشد القوات المسلحة لتهديد الجيش اللبناني والمواطنين اللبنانيين هناك، نزولاً عند الإرادة الأميركية و”الإسرائيلية”.
أما في إمارة قطر في الخليج العربي، فإنها تعطينا مثلاً، آخر عن فقدان الدول العربية للسيادة الوطنية بـ”استقبال” القواعد الأطلسية في أراضيها. فقد تم نقل مقر قيادة القوات الأميركية بعد مغادرتها السعودية في عام 2003، إلى قاعدة العديد الجوية جنوب غرب العاصمة القطرية الدوحة. وهذه القاعدة هي أكبر منشأة عسكرية أميركية في ما يسمى دول “الشرق الأوسط”. ومن هذه القاعدة يقود الأميركيون أعمالاً حربية جسيمة ضد بعض الدول العربية “الشقيقة”. فيما تعوز الحكومة القطرية السلطة السيادية على هذه القاعدة وسواها من القواعد الأطلسية الأخرى الموجودة على أراضي الإمارة، مثل القاعدة العسكرية التركية.
كما تردد أن تركيا تنشط لافتتاح قاعدة ثانية في عمان وأخرى في الكويت. وفي وقت سابق وكانت راجت أقاويل عن وجود قاعدة فرنسية في قطر لكن سلطات باريس نفتها. وعلى أي حال، فإن كل هذه القواعد، وخاصة قاعدة العديد الأميركية، لم تمنع بعض الدول العربية من “محاصرة” قطر في عام 2017، بسبب خلافات ثنائية بينها وبين قطر. ويومها، وجدت الدوحة نفسها “وحيدة في الحصار”، فسارعت للإرتماء في أحضان إيران، التي كثيراً ما يقول الأطلسيون أن مهمة قواعدهم “تزويد قطر ودول الخليج بالأمن” تحسباً من “الخطر الإيراني” الذي يتهددها.
بل إن قطر لم تتلق من القواعد الأميركية أي معونة، وسارعت إلى مهادنة اليمن، ولم تنخرط في أعمال عدائية ضد حكومة صنعاء المعادية للأميركيين و”إسرائيل”، خشية أن تنال ما نالته الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من عواقب سيئة على “جبهة اليمن”. وبالنسبة إلى أبو ظبي، فإن القواعد الأميركية لم تضمن الأمن السيادي للدولة الإماراتية، التي أصبحت بحسب بيانات “معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، أكبر سوق تصدير لصناعة الأسلحة والمعدات العسكرية في تركيا.
ويمكن أن نعطي أمثلة أخرى من مملكة البحرين التي يتمركز في أرضها وبحرها بشكل دائم، مقر الأسطول الخامس الأميركي، المؤلف من حاملات الطائرات والغواصات والقوات البرمائية. و”قاعدة الشيخ عيسى الجوية”، جنوب العاصمة المنامة، التي تحوي طائرات حربية أميركية للقتال، من بينها F-16 وF/A-18 وطائرات المراقبة P-3. وتؤدي هذه القواعد مهامها المقررة في واشنطن، بعيداً عن كلمة ملك البلاد.
كما ينتشر في الكويت نحو 10 ألاف جندي أميركي حيث يقيمون في القواعد الخاصة بهم وبالجيش الكويتي أيضاً، وأهمها قاعدة علي السالم الجوية. وكشف “مركز الخليج للدراسات والبحوث في الكويت” أن نحو 1400 جندي منهم، يتمركزون على الأراضي الكويتية بشكل دائم، فيما تشكل البقية “قوة متحركة تتوزعها واشنطن على بؤر النزاع في المنطقة” حسب خططها الإستراتيجية وحاجاتها الميدانية.
وفي الوقت الحالي يعاني لبنان كسواه من “الحلفاء” العرب، من نكوث الأميركيين بوعودهم التي صرفوها لهم طيلة الوقت. وهناك تقرير مفصل نشره موقع الحقول في تشرين الأول/ أوكتوبر 2023، عن “القواعد الأميركية في لبنان : الوظائف والأهداف و… النتائج؟” يمكن مراجعته. وهو يوضح كيف أتخم الأميركيون الجغرافيا اللبنانية بالقواعد العسكرية طوال السنوات الماضية، بحجة التدريب والمساعدات اللوجستية والدعم الإستشاري، وأن “واشنطن هي بجانب استقرار وأمن لبنان، دوماً”. وليس هناك من وثيقة واحدة تشرح تجلي شروط الموافقة الرسمية الغامضة التي لم تصدر عن الحكومة ولا البرلمان في بيروت، لإنشاء هذ القواعد على الأراضي اللبنانية.
وعندما جد الجد كما يقال، وبدا أن لبنان بحاجة فعلاً للدعم السياسي والديبلوماسي لوقف العدوان العسكري “الإسرائيلي” على البشر والحجر فيه، الذي استمر من 26 أيلول/ سبتمبر إلى 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، حيث وقع اتفاق وقف إطلاق النار. وخلال هذه الفترة انتحلت الولايات المتحدة دور الوسيط بين كيان العدوان “الإسرائيلي” ولبنان. فيما كان التنسيق السري والعلني بين قيادة الجيوش الأميركية في المنطقة الوسطى وبين هيئة أركان الجيش “الإسرائيلي” وثيقاً على مستوى التخطيط العملياتي والتنفيذ الميداني.
ولما اضطرت “إسرائيل” إلى الموافقة على وقف إطلاق النار مع المقاومة اللبنانية، يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بعد فشل الجيش “الإسرائيلي” طيلة 66 يوماً في “المناورة البرية”، أخذت الولايات المتحدة دفة القيادة السياسية والديبلوماسية الأميركية لفرض شروط “إسرائيل” على لبنان، وأهمها سلب لبنان القدرة الدفاعية التي يتميز بها من خلال معادلة الجيش والشعب والمقاومة.
وكل يوم مضى منذ وقف إطلاق النار يتأكد اللبنانيون المخلصون لوطنهم، من أن واشنطن تريد أن تكسر هذه المعادلة الذهبية، أن القواعد العسكرية الأميركية التي تخترق الجغرافيا الوطنية، لا تضمن وإنما تهدد السيادة الوطنية. وها هي “إسرائيل” تنقض بنود اتفاق وقف إطلاق النار منذ لحظة توقيعه حتى الآن. وهي تقوم بتطبيقه تحت حماية الولايات المتحدة، لكي تحقق أهداف “المناورة البرية” التي فشلت في كسبها.
فالولايات المتحدة التي ترعى الإتفاق صارت شريكاً وراعياً للإحتلال “الإسرائيلي” للأراضي اللبنانية، كما أنها شريكٌ وراعٍ للإحتلال في الحرب الإرهابية التي يشنها في أطراف أو أعماق الأراضي اللبنانية، باستخدام أسلحة الحرب الجوية والبرية والبحرية والأمنية ايضا. إن الولايات المتحدة تستغل القواعد العسكرية في لبنان لمضاعفة أثر العدوان “الإسرائيلي” على شعبه وأرضه. فالشروط الأميركية على الحكومة لكي تتخلى عن القدرات الدفاعية المتوفرة بفضل تلك المعادلة، تطرح سؤالاً مقلقاً للمواطنين وهو :
ـ من سيردع “إسرائيل” ومن سيحمي سيادة لبنان، فيما لو قررت توسيع رقعة الإحتلال لأراضيه بل وانتزاعها منه وضمها إلى فلسطين المحتلة، أسوة بما فعلت “إسرائيل” بهضبة الجولان السورية المحتلة.
إن هذا السؤال مطروح على المملكة الأردنية أيضا. فقد باشرت “إسرائيل” اليوم، بمشروع تهجير أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم، حتى “تبتلع” البقية الباقية من فلسطين التاريخية وهي أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. والأردن الذي “يستضيف” على أراضيه قواعد عسكرية أميركية وأطلسية كبرى، يبدو أنه سيكون أول وأكبر المتضررين من مشروع تهجير الفلسطينيين. فهذه القواعد وظيفتها حماية المصالح الأميركية لا الدفاع عن السيادة الوطنية الأردنية ولا عن السيادة الوطنية لأي دولة عربية، بل على حساب هذه “السيادات” جميعها أن لزم الأمر.
مركز الحقول للدراسات والنشر
الأربعاء، 27 رمضان، 1446 الموافق 26 آذار، 2025
COMMENTS