ما هي سمات العلاقات الراهنة بين دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي، وهل من إمكانية للإتجاه نحو الشرق؟

أم فلسطينية تصرخ من غزة : “الحصار قلب كياني”
“فايسبوك” والأمن العربي : صفحات عسكرية ترشد “المجاهدين”؟
السعودية : اتهام جهاز المباحث بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

يتبيّن المتتبّع للعلاقات الأوروبية ـ الخليجية أن هناك الكثير من التسويف والمماطلة من الجانب الأوروبي في إتمام اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، ولعلّ ما أكده أكثر من مسؤول عربي خليجي في تقييم مسيرة التفاوض بين الطرفين يوضّح حقيقة الموقف، إذ يأتي المفاوض الأوروبي بمطالب جديدة تضاف إلى مطالب كانت أصلا مثار خلاف من قبل لا تمت إلى الهدف في إبرام إتفاقية تنظم علاقات التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي وبين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فالمطالب الأوروبية تنطوي على تدخل بشؤون الدول العربية الخليجية بينما ما يعرضه المفاوض العربي الخليجي ينصب على علاقات التبادل التجاري الذي تنطوي على الكثير من الإجحاف بالحقوق التجارية التي نصت عليها مواثيق منظمة التجارة العالمي.

موقف مجلس التعاون
ويلخص موقف دول مجلس التعاون بين الطرفين بكل وضوح معالي عبدالرحمن العطية بالقول: تؤكد إحصائيات التجارة الخارجية بين الطرفين تزايد حجم الفائض لصالح دول الاتحاد الأوروبي عبر السنوات الماضية ثم إن الهيكل السلعي لصادرات دول المنطقة يشير إلى أن التبادل التجاري بين الطرفين قد حقق فائضاً بلغ في عام 2007 حوالي 55 مليار دولار لصالح الاتحاد الأوروبي، في حين بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري في العام ذاته حوالي 133 مليار دولار الأمر الذي يؤكد على أن الميزان التجاري بين الطرفين لصالح الطرف الأوروبي نوعاً وحجماً وكماً، وذلك بسبب المعوقات التي توجدها دول الاتحاد الأوروبي أمام صادرات دول المجلس، وذلك على حساب الاختلالات الكبيرة في الميزان التجاري وميزان المدفوعات والأوضاع الاقتصادية والمالية بدول المجلس ويمكن تحديد تلك المعوقات حسب التالي:

1 ـ على الرغم من أن دول مجلس التعاون اتفقت على إنشاء اتحاد جمركي وحددت التعرفة الجمركية الموحدة وهي 5 في المئة (منذ نوفمبر 1999 وبدأ تطبيق ذلك اعتبارا من بداية 2005) وهو ما كان يطالب به الاتحاد الأوروبي كشرط لإبرام اتفاقية التجارة الحرة بين المنطقتين، إلا أن هناك معوقات يوجدها الاتحاد الأوروبي، تبدو متعمدة، أدت إلى تعثر إبرام اتفاقية التجارة الحرة، وتحرير التجارة بين الطرفين بعد مضي أكثر من ثمانية عشر عاماً من المفاوضات.
2 ـ ما زال الاتحاد الأوروبي يفرض ضرائب مرتفعة على صادرات دول مجلس التعاون للحيلولة دون نفاذها إلى الأسواق الأوروبية رغم الاختلال الكبير في الميزان التجاري والفائض الواضح والدائم لصالح الجانب الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي بعد أن فرض ضريبة الكربون (50 في المئة) على صادرات دول المجلس من النفط ومشتقاته والصناعات البتروكيماوية، فرض ضريبة تصل نسبتها إلى (6 في المئة) على صادرات دول المجلس من الألمونيوم على الرغم من أن الصادرات من الصناعات البتروكيماوية والألومنيوم تشكل معظم صادرات دول المجلس غير النفطية. ولقد كان لقرار الاتحاد الأوروبي هذا الأثر المباشر في رفع أسعار منتجات دول المجلس من الألومنيوم في الأسواق الأوروبية وأثر على حجم الطلب على هذه المنتجات.
3 ـ إن الاختلال المزمن الذي يعاني منه الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي يتفاقم رغم زيادة صادرات دول مجلس التعاون من النفط الخام والغاز الطبيعي.
4 ـ محدودية الاستثمارات الأوروبية في مختلف القطاعات الإنتاجية بدول المجلس سوى قطاع إنتاج النفط وتصديره بسبب الحاجة، ثم عدم الجدية في نقل التقنية الحديثة بالحجم والنوعية الذي يحقق متطلبات التنمية الاقتصادية بدول المجلس.
5 ـ إصرار الاتحاد الأوروبي على ربط إبرام اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون بقضايا سياسية لا علاقة لها بالمفاوضات لتحرير التجارة، مثل حقوق الإنسان، ومحاربة الإرهاب، وتحقيق إصلاحات معينة، الأمر الذي عطل مسيرة الإصلاح في الميزان التجاري، ليكون دوماً لصالحه، ويعد في الوقت ذاته تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية والسياسية لدول مجلس التعاون.
6 ـ إصرار الاتحاد الأوروبي على زيادة مساهمة الملكية الأوروبية في رأس مال الشركات المساهمة الوطنية، على الرغم من أنها تزيد عن 49 في المئة، وكذلك فتح دول مجلس التعاون أسواقها أمام الشركات الأوروبية بشكل أوسع، على الرغم من أن دول مجلس التعاون ومن خلال الإصلاحات الكبيرة في مناخاتها الاستثمارية ومن ضمنها القوانين والتشريعات المتضمنة لقوانين الاستثمار الأجنبي قد شًرعت أبوابها أمام رأس المال والاستثمارات الأجنبية سواء في القطاعات الإنتاجية ومنها قطاع النفط، أو قطاع الخدمات والصناعات الأخرى، كما أن القوانين والتشريعات الاقتصادية التي سنًتها دول المجلس جاءت منسجمة مع متطلبات وشروط منظمة التجارة العالمية W.T.O. التي تحمل عضويتها، وينطبق عليها ما ينطبق على مختلف دول العالم الأعضاء بهذه الاتفاقية ومنها دول الاتحاد الأوروبي.

الإتحاد الأوروبي غير جاد بالتعاون
في ضوء الأهمية لدول مجلس التعاون التي أصبحت تنمو بشكل كبير بسبب اكتشاف المزيد من الاحتياطيات في النفط والغاز، وبسبب تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة لا سيما بعد دخول الصين والهند طرفاً مهماً في استيراد النفط والغاز، ثم بسبب أهمية منطقة التعاون في تصريف المنتجات والسلع العالمية، ثم الفرص الواعدة لاستثمارات الشركات الدولية، ولا سيما العاملة في القطاع النفطي، فإن مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية خاصة، والعلاقات في المسارات الأخرى عامة بين دول المجلس ودول الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون في صلب تفكير أصحاب القرار السياسي والاقتصادي لدى الطرفين، وهذا المستقبل مرهون بمدى حرص الطرفين على تنمية العلاقات فيما بينهما، وفق رؤية مستقبلية مبنية على أساس المصلحة المشتركة وتكافؤ الفرص والعمل من أجل بناء مستقبل يخدم الأهداف والمصالح الاستراتيجية طويلة المدى.
يتضح مما تقدم أن الاتحاد الأوربي غير جاد في إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين رغم أن من بين دول المجلس من تربطه اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى لا تشوبها التخرصات التي تؤخر إنجاز إبرام الاتفاقية لصالح الطرفين . وبما أن الأهمية الاقتصادية والتجارية لدول الخليج العربية تتعاظم وذلك في ضوء ما يلي:

1 ـ إن الاحتياطيات المؤكدة من النفط الخام والغاز الطبيعي لدى دول مجلس التعاون، والطلب المتزايد من قبل دول الاتحاد الأوروبي في ظل معدلات النمو الاقتصادي والتنافس الدولي يحتم على الاتحاد الأوروبي العمل بجدية مع دول مجلس التعاون لتأمين احتياجاته المستقبلية من مصادر الطاقة وبالأسعار التنافسية التي يمكن الاتفاق عليها في ضوء اعتماد الطرفين لاتفاقية التجارة الحرة.
2 ـ إن قطاع النفط والغاز ثم الصناعات النفطية (البتروكيماوية) في دول مجلس التعاون تمثل فرصة كبيرة وسانحة لاستثمارات الشركات الأوروبية في هذا القطاع الاستراتيجي، لتعظم أرباحها وتوسع نشاطها، وفي هذا الشأن يتطلب من المؤسسات الحكومية الأوروبية تشجيع المستثمرين الأوروبيين لتوجيه حصة من استثماراتهم الدولية إلى أسواق دول مجلس التعاون.
3 ـ إن السياسات الاقتصادية والتجارية التي تلتزم بها دول مجلس التعاون والتي تأتي منسجمة مع متطلبات منظمة التجارة العالمية وحرية السوق والاقتصاد في ضوء الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية، ومنها قوانين الاستثمار الأجنبي إنما تخلق بيئة استثمارية محفزة للاستثمارات الأوروبية، وكذلك تفتح أسواق دول المجلس على مصراعيها أمام السلع والبضائع الأوروبية، الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على حجم التبادل التجاري بين الطرفين، لا سيما في ظل توقيع اتفاقية التجارة الحرة.
4 ـ إن الاتفاق بين الطرفين الأوروبي والخليجي على شروط متكافئة ومتوازنة بشأن مصادر الطاقة سواء من حيث السعر وآليات التعاون إنما يحقق المصلحة المشتركة حيث يتوفر النفط والغاز لدول الاتحاد الأوروبي في ظل استقرار سعري ودون أية مضاعفات بسبب تذبذب الأسعار في السوق النفطية ويؤمن احتياجاتها بالكمية أو الحجم الذي يلبي احتياجاتها، شريطة أن يتم ذلك وفق اتفاق يلغي أية ممارسات تمييزية في السوق النفطية وفي ظل حوار جاد يكفل التعاون البناء والآليات المناسبة.
5 ـ أهمية أن تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى حماية الاستثمارات ورؤوس الأموال في المصارف والشركات الأوروبية والمجموعات الاقتصادية الدولية، وذلك من التآكل والمصادرة والتجميد، بموجب ترتيبات يصار إلى الاتفاق عليها، بما يضمن للطرفين أن تخدم هذه الاستثمارات الأهداف المشتركة لهما، وتساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
6 ـ إن تعزيز العلاقات الاقتصادية وتنمية الشراكة التجارية يتطلب من الطرفين توجيه القطاع الخاص في كلتا المنطقتين نحو إقامة مشاريع مشتركة برؤوس أموال خليجية، وخبرة وتقنية أوروبية، لا سيما في ظل توفر عناصر الإنتاج في كل منهما، وهذا التوجه من شأنه تعميق العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، وتأمين مصالحهما في ظل المنافسة الدولية المحتدمة.
وبما أن أيا مما تقدم لم ينجز بعد رغم تقادم الزمن على أول لقاء بين الطرفين، فقد يكون من الأجدى أن تتجه دول الخليج العربية شرقا إذ أن 5 في المئة من أسواق العالم المتنامية هي في الصين والهند ونمور آسيا الأخرى.
محمد رياض حمزة، أستاذ بالكلية التقنية العليا في مدينة مسقط/ عُمَانْ

نقلا عن جريدة عُمَانْ، الثلاثاء‏، 05‏ أيار‏، 2009، راجع الرابط التالي :
http://www.omandaily.com/araa/araa2.htm

COMMENTS